اهتز المشهد الليبي على وقع نبأ مقتل سيف الإسلام القذافي، في حادثة وُصفت بأنها من أخطر التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد منذ سنوات، لما تحمله من دلالات تتجاوز البعد الجنائي إلى أسئلة كبرى حول مستقبل الاستقرار ومسار الدولة.
وأعلنت النيابة العامة الليبية، الأربعاء، فتح تحقيق رسمي في واقعة مقتل نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، مؤكدة أن الوفاة وقعت نتيجة طلق ناري، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق بملابسات الجريمة أو هوية الجناة.
وكان سيف الإسلام قد قُتل الثلاثاء في مدينة الزنتان غربي ليبيا، في حادثة أثارت موجة من الجدل والتكهنات حول طبيعة التنفيذ والجهات التي قد تكون وراءه، خاصة مع تداول معلومات عن تورط محترفين في العملية، يعتقد أنهم عطّلوا كاميرات المراقبة قبل تنفيذ الاغتيال، ما يعكس مستوى عالياً من التخطيط والتنظيم.
وجاءت الحادثة في ظل مسارات سياسية مفتوحة للحوار الليبي ومحاولات دولية لإعادة إطلاق عملية المصالحة الوطنية، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن انعكاسات مقتل سيف الإسلام على توازنات القوى الداخلية، ومستقبل العملية السياسية، وإمكانية انزلاق البلاد إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار.
ويرى خبراء ومحللون ليبيون أن اغتيال سيف الإسلام لن يكون مجرد واقعة عابرة، بل يحمل تداعيات مباشرة على الداخل الليبي، وقد يعيد رسم خريطة الاصطفافات السياسية والاجتماعية، في ظل هشاشة الوضع الأمني وغياب مؤسسات قادرة على فرض القانون.
ضربة للثقة الشعبية
ويعتبر الدكتور يوسف الفارسي، أستاذ العلوم السياسية ورئيس حزب «ليبيا الكرامة»، أن مقتل سيف الإسلام يمثل «كارثة حقيقية ليس على مستوى الشخص فقط، بل على مستوى المزاج العام الليبي»، مشيراً إلى أن الأخير كان يمتلك حاضنة شعبية واضحة وقاعدة من الأنصار ينتظرون عودته إلى المشهد السياسي.
ويرى الفارسي أن اغتياله سيترك أثراً سلبياً على المسار السياسي ومعنويات شريحة واسعة من الليبيين، واصفاً الحادثة بأنها «جريمة نكراء وبشعة»، لافتاً إلى أن توقيتها، بالتزامن مع الحديث عن مرحلة انتخابية محتملة، يثير الشبهات حول وجود تخطيط مسبق لإبعاده نهائياً عن أي استحقاق سياسي.
كما لم يستبعد وجود دور لأطراف خارجية أو أجهزة مخابرات أجنبية، في ظل ما وصفه برفض دولي لعودة رموز النظام السابق إلى الواجهة السياسية، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يبرر الجريمة، وأن سيف الإسلام يظل مواطناً ليبياً يفترض أن يُحتكم في شأنه إلى القضاء والقانون.
المصالحة واحتمالات التصعيد
من جانبه، يرى الباحث والمحلل السياسي محمد امطيريد أن تداعيات مقتل سيف الإسلام ستظل مرتبطة بشكل أساسي بردود فعل أنصاره ومؤيديه، محذراً من أن الحادثة قد تشكل ضربة موجعة لمسار المصالحة الوطنية، خصوصاً لدى أنصار النظام السابق الذين يعتبرون مقتله استهدافاً مباشراً لأمنهم السياسي والاجتماعي.
ويشير امطيريد إلى أن وجود شقيقه الساعدي القذافي خارج البلاد وتحالفاته المحتملة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات للرد والثأر، ولو في نطاق محدود، مؤكداً أن منطق القتل ذاته يعمّق أزمة الثقة ويقوض أي أمل في بناء مسار سياسي سلمي جامع.
وشدد على أن تجاوز منطق الولاءات للأشخاص أو الأنظمة السابقة، والانتقال إلى ولاء جامع للدولة الليبية ومؤسساتها، يمثل الطريق الوحيد للخروج من حالة الفوضى والانقسام التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
خلط و إرث سياسي
وبحسب امطيريد، فإن مقتل سيف الإسلام قد يكون هدفه أيضاً عرقلة مساعٍ دولية، تقودها الولايات المتحدة، لجمع مختلف الأطراف الليبية في مسار سياسي واحد، سواء عبر توحيد المؤسسة العسكرية أو إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، ما يجعل الجريمة جزءاً من صراع أوسع على مستقبل ليبيا.
ويرجح الخبير أن تبقى ردود الفعل محدودة على المدى القريب، وقد تقتصر على عمليات انتقامية فردية، في ظل تشتت أنصار النظام السابق وضعف تنظيمهم، وهو ما عكسته سهولة تنفيذ عملية القتل وضعف المنظومة الأمنية التي كانت تحيط بسيف الإسلام.
أما الكاتب الصحفي والمحلل السياسي سالم محمد، فيرى أن مقتل سيف الإسلام لا يعني فقط غياب شخصية جدلية من المشهد، بل يمثل عملياً إغلاقاً لملف «الشرعية التاريخية» للنظام السابق كخيار سياسي منظم.
ويؤكد أن التيار المؤيد لسيف الإسلام سيتحول من مشروع سياسي يسعى للسلطة إلى مجرد إرث معنوي وذاكرة سياسية لأنصاره، لينتقل خطابه من الطموح في بناء الدولة إلى خطاب المظلومية واستحضار الماضي، وهو ما يجعله جزءاً من التاريخ السياسي الليبي أكثر منه جزءاً من مستقبله الممكن.







