تُمثّل العلاقة بين الأمن القومي الأوروبي والوجود الإسلامي على أرض القارة الأوروبية إحدى أكثر القضايا العابرة للسياسة والأمن والاجتماع تعقيداً في العصر الحديث. ومن واقع الخبرة العسكرية والتقييم الاستراتيجي لإدارة الأزمات، يُدرك المخطط الأمني الرصين أن الأمن في جوهر عقيدته ليس مجرد إجراءات زجرية أو قيود استخبارية، بل هو حالة من الطمأنينة والسكينة الاستقرارية تحمي الإنسان وتصون حقوقه، وتتيح للمجتمع ممارسة حياته في ظل القانون.
عليه، لم تعد المعالجة الأوروبية لهذا الملف مقتصرة على البُعد الإجرائي المباشر لمكافحة الإرهاب، إذ امتدت لتلامس هيكل ومضمون البنية التشريعية، مُعيدة تعريف مفاهيم السيادة والاندماج وحرية المعتقد. وفي ظل وجود أكثر من ثلاثين مليون مسلم في دول الاتحاد، يتأثر هذا الملف أمنياً وإنسانياً بالارتباط الوثيق بين الأمن الداخلي الأوروبي واستقرار البيئة الإقليمية المحيطة، سيما في الشرق الأوسط ومنطقة الساحل وشمال أفريقيا؛ حيث تنعكس الأزمات الإنسانية والتوترات الإقليمية، موجات نزوح متتالية يحمل أصحابها آلام الحروب ورسائل استقطاب عابرة للحدود.
أمام هذا الواقع، يواجه المشرّع والمسؤول الاستخباري تحدٍ مزدوج إذ كيف يمكن بناء منظومة أمنية متماسكة تحارب التطرف وتجفف منابع التمويل المشبوه، دون المساس بحقوق المواطنة والكرامة الإنسانية للأغلبية الساحقة من المسلمين المندمجين في مجتمعاتهم، أو الانزلاق نحو سياسات تغذي الخطابات العنصرية والصدامات الهوياتية؟
من جهة أخرى؛ تقتضي المقاربة الأمنية الواعية الانطلاق من اعتبار الإسلام عقيدة ومكوّناً مجتمعياً أصيلاً جزءاً من النسيج السكاني والأخلاقي. في المقابل، يُحصر النطاق التشغيلي الأمني في مواجهة الجهادية المسلحة والخلايا التنظيمية المتطرفة، والعناصر العائدة من مناطق الصراع، فضلاً عن ظاهرة “الذئاب المنفردة”، مع اعتماد مؤشرات دقيقة بعيداً عن تعميم الاشتباه على أساس الدين أو الأصل.
امتد هذا التفكيك المفاهيمي، ليتحول من الرصد التقليدي للعنف المباشر، إلى مراقبة أنشطة التغلغل التنظيمي والمجتمعات الموازية؛ حيث تُولي الأجهزة الأمنية الأوروبية أهمية هدف متابعة شبكات “الإسلام السياسي” والجمعيات التابعة لها، تلك الساعية لإنشاء أطر مجتمعية مغلقة وانفصالية داخل الضواحي والأحياء المُهمشة.
ومع ذلك، يفرض التقييم الدقيق التمييز بين النشاط غير القانوني المثبت وبين الممارسة الدينية أو السياسية السلمية؛ فمجرد الانتماء إلى تيار أو جمعية دينية، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على التطرف أو تهديداً للأمن القومي.
من جهة أخرى، لا تكتمل أي قراءة أمنية للواقع الأوروبي دون تفكيك التداخل العضوي بين تدفقات الهجرة وثقافة التطرف، وهي علاقة قائمة في جوهرها على المعاناة الإنسانية. فمن الناحية العملياتية، شكلت موجات التدفق العالي للكتل البشرية الفارّة من أهوال الحروب عبر المتوسط ضغطاً كبيراً على أجهزة إنفاذ القانون، استغلته الجماعات المتطرفة لتسلل عناصرها وتجاوز آليات الفحص الاستخباري. ورغم محاولات بعض العناصر استغلال هذه الثغرات، فالغالبية الساحقة من المهاجرين أشخاصًا وعائلات يبحثون عن الأمان والحياة الكريمة وهم أنفسهم ضحايا البؤس والاضطهاد.
بالتوازي، أُعيد توظيف ملف الهجرة من قبل التيارات الوطنية اليمينية المتطرفة كوقود فكري لتعزيز النفوذ الانتخابي والترويج لنظريات التهديد الديمغرافي، مرتكزة على «نظرية الاستبدال الكبير» (Le Grand Remplacement) للفرنسي رينو كامو (Renaud Camus)؛ مما أدى إلى تصاعد ملحوظ في جرائم الكراهية وخطاب “الإسلاموفوبيا”.
في السياق نفسه، شهدت المنظومة القانونية والأمنية الأوروبية تحولاً حاسماً تمثّل في الانتقال من رد الفعل الأمني التقليدي إلى اعتماد مقاربة وقائية ومؤسسية تشمل الفضاء الرقمي، والقطاع المالي، والآليات الاستخبارية العابرة للحدود. وفي هذا الإطار، تحول الجهد الأساسي نحو توظيف “استخبارات المصادر المفتوحة” (OSINT) وأدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، مع رصد أنماط التجنيد الرقمي، وتفكيك الشبكات قبل وصولها إلى التنفيذ الميداني.
غير أن التقييم الاستراتيجي المحايد أظهر أن هذه المنظومة، بالرغم من ضخامة ترسانتها الأمنية والتقنية، تبقى مجزأة تشوبها ثغرات وقصور بنيوي في مسألة التنسيق العملياتي الشامل على مستوى دول الإتحاد الأوروبي. تجسدت هذه الفجوة في «معضلة السيادة الوطنية مقابل التكامل الأمني»؛ إذ تتعامل معظم الأجهزة مع العقيدة الاستخبارية كحق سيادي حصري، ما انعكس حذراً في تبادل المعلومات الحساسة والمبكرة بين الأجهزة الوطنية (مثل DGSI الفرنسية أو BfV الألمانية) وبين وكالات الاتحاد مثل “يوروبول” (Europol) أو “مجموعة مكافحة الإرهاب” (CTG).
يُضاف إلى ذلك التباين التشريعي والقضائي وتفاوت الإمكانيات التقنية والتحديث اللحظي لقوائم “نظام معلومات شينغن” (SIS II)، ما يجعل الأمن يُدار بمنطق التنسيق الثنائي أو التحفظ المتبادل بدل الترابط المكتمل.
من زاوية أخرى، لجأت العديد من الدول المركزية في الاتحاد الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا) إلى تفكيك التأثيرات العابرة للحدود عبر إعادة إنتاج نموذج محلي متكامل يُعرف بـ “الإسلام الأوروبي”. ويتصدر هذا المسار إنهاء نظام “الأئمة المبتعثين” واستبدالهم ببرامج تدريب محلية تضمن إلمامهم باللغات الوطنية وبقوانين الدولة المدنية وسيادتها. بالتوازي مع اعتراف الجمعيات الدينية بأسبقية الدستور والقوانين المدنية على الإجتهادات الدينية. مع تفعيل آليات قطع التمويل والحظر الإداري بحق من يثبت تبنيه خطابات تدعو للانفصال العقدي أو العنف، على أن تستند هذه الإجراءات دائماً إلى أدلة واضحة ومراجعة قانونية عادلة.
على المستوى الإجرائي، واجهت هندسة الأمن الأوروبي جملة تحديات أبرزها صعود اليمين المتطرف، حيث تُستغل الملفات الأمنية لتغذية ظاهرة “الإسلاموفوبيا” وجعلها ورقة انتخابية مربحة. وهذا يستدعي استراتيجية حازمة لمواجهة التطرف المزدوج بنفس المعايير والأدوات القانونية؛ إذ إن التغاضي عن خطاب الكراهية اليميني يُغذّي مباشرة خطابات الجماعات الدينية المتطرفة والعكس صحيح.
أخيراً، تؤكد القراءة المتأنية لمنحنيات الصراع أن الأمن القومي الحقيقي ليس نقيضاً للحريات الدينية، وهو لا يُقاس بحجم القيود او شدة الإجراءات الردعية، بل بقدرة الدولة على احتضان التعددية الدينية والعرقية مع تحقيق الاستقرار الشامل دون المساس بكرامة الإنسان وحقوقه.
التحدي الأكبر والأهم يكمن كما أسلفنا في معالجة الثغرات البنيوية في التنسيق الاستخباري، مع منع أصحاب الفكر المتطرف استغلال المخاوف لتفتيت العقد الاجتماعي، بالتوازي مع ضبط الخطاب السياسي الراديكالي. فالأمن والعدالة توأمان، ومتى انفك أحدهما عن الآخر، فقدت المنظومة الأمنية مرتكزها الأخلاقي والاستراتيجي.


