في خضم التصعيد الإقليمي المتواصل بين إيران وإسرائيل، وجّه حزب المؤتمر الهندي، أبرز أحزاب المعارضة، انتقادات لاذعة للحكومة التي يقودها رئيس الوزراء ناريندرا مودي، متسائلاً عن توقيت زيارته إلى إسرائيل، ومعتبراً أن الخطوة قد تُفهم على أنها انحياز سياسي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
وقال القيادي البارز في الحزب سلمان خورشيد إن الزيارة “خلقت انطباعاً بوجود انحياز حزبي وتأييد ضمني لعدوان غير مبرر”، محذراً من أن مثل هذه الرسائل السياسية قد تُقوّض الموقف التقليدي المتوازن للهند في غرب آسيا، وهو الموقف الذي طالما استند إلى احترام سيادة الدول، وعدم التدخل، والدعوة إلى الحلول السلمية للنزاعات.
مخاوف من تداعيات استراتيجية
وأوضح خورشيد أن توقيت الزيارة يثير تساؤلات جدية، خاصة في ظل اشتعال الصراع واتساع رقعته، مشيراً إلى أن أي إشارة قد تُفهم على أنها دعم لطرف على حساب آخر يمكن أن تكون لها “عواقب استراتيجية وخيمة” على المصالح الهندية بعيدة المدى.
وأضاف أن الهند بنت عبر عقود شبكة علاقات متوازنة في المنطقة، تشمل شراكات سياسية واقتصادية وأمن طاقة وروابط جاليات كبيرة، ليس فقط مع إسرائيل، بل أيضاً مع إيران وفلسطين ودول الخليج.
وأكد أن هذا التوازن منح نيودلهي هامش حركة دبلوماسي واسع، ومصداقية دولية تقوم على احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ويرى قادة في حزب المؤتمر أن الزيارة في هذا التوقيت الحساس قد تُضعف صورة الهند كقوة صاعدة تتبنى نظاماً دولياً قائماً على القواعد، خاصة إذا ما فُسرت على أنها إقرار أو صمت تجاه عمليات عسكرية مثيرة للجدل.
رسالة داخلية وخارجية
وأشار خورشيد إلى أن “الانطباع بوجود تأييد سياسي للتصعيد العسكري يتعارض بشدة مع التزام الهند المعلن بالنظام الدولي القائم على القواعد”. ولفت إلى أن الهند لطالما استندت في مواقفها بشأن النزاعات الإقليمية، بما في ذلك ملف كشمير، إلى مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية والحل السلمي للنزاعات، ومن ثم فإن أي ازدواجية في تطبيق هذه المبادئ قد تُضعف حجتها الأخلاقية والدبلوماسية.
كما لمّح إلى أن توقيت الزيارة، قبيل أجواء سياسية داخلية حساسة، قد يُفهم أيضاً في سياق انتخابي، قائلاً إن مثل هذه الخطوات “تخاطر بإيصال رسالة تأييد للحكومة الإسرائيلية الحالية عشية الانتخابات الوطنية”، في إشارة إلى الحسابات السياسية المحتملة وراء التحرك الدبلوماسي.
التذكير بإرث السياسة الخارجية الهندية
واستدعى خورشيد في تصريحاته الإرث الدبلوماسي للهند منذ عهد جواهر لال نهرو، الذي أرسى مبدأ عدم الانحياز كركيزة للسياسة الخارجية الهندية. وأكد أن الحفاظ على “السلطة المعنوية والمصداقية الاستراتيجية” يتطلب تطبيقاً موحداً للمبادئ، دون استثناءات تمليها اعتبارات آنية أو ضغوط ظرفية.
وفي هذا السياق، شدد حزب المؤتمر على أنه لا يعارض تعزيز العلاقات مع إسرائيل من حيث المبدأ، بل يقر بأهمية الشراكة الثنائية في مجالات التكنولوجيا والدفاع والزراعة. إلا أنه يرى أن هذه العلاقات يجب أن تُدار بحكمة، مع مراعاة التوازنات الإقليمية والمصالح الوطنية الشاملة.
تباين حزبي في الرؤية
تأتي هذه الانتقادات في ظل تباين واضح بين حزب المؤتمر والحزب الحاكم، حزب بهاراتيا جاناتا، بشأن توجهات السياسة الخارجية. فبينما يدافع الحزب الحاكم عن نهج “الهند أولاً” وتوسيع الشراكات الاستراتيجية متعددة الاتجاهات، ترى المعارضة أن هذا النهج يجب ألا يتحول إلى اصطفاف سياسي يُفقد نيودلهي قدرتها على لعب دور الوسيط أو الشريك المتوازن في الأزمات.
ويرى مراقبون أن الهند تواجه معادلة دقيقة في غرب آسيا: فهي تعتمد على المنطقة في جانب كبير من احتياجاتها النفطية، وتحتضن دولها ملايين العمال الهنود، كما ترتبط بعلاقات دفاعية وتكنولوجية متنامية مع إسرائيل. وفي الوقت ذاته، تحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران، لما تمثله من أهمية جيوسياسية في مشاريع النقل والطاقة.
بين الشراكة والمبدأ
واختتم خورشيد تصريحاته بالتأكيد على أن حزب المؤتمر “يُقدّر ويسعى إلى تعزيز شراكة الهند مع إسرائيل، تماماً كما فعل مع إيران وفلسطين ودول أخرى في غرب آسيا”، لكنه شدد على أن هذه الشراكات يجب أن تُوازن بعناية مع الاعتبارات الدبلوماسية، خاصة عندما تكون المصالح الوطنية معرضة للخطر بسبب صراع إقليمي متصاعد أو بسبب تصورات بأن الحكومة تُضحّي بالمبادئ الدستورية والحضارية للهند.
ويعكس الجدل الدائر في نيودلهي اتساع النقاش الداخلي حول موقع الهند في عالم يشهد استقطاباً متزايداً، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية. وبينما تؤكد الحكومة أن سياستها الخارجية براغماتية وتخدم الأمن القومي، تصر المعارضة على أن الحفاظ على التوازن والمصداقية الدولية يمثلان رصيداً لا يقل أهمية عن أي مكسب تكتيكي آني.
في ظل هذا السجال، تبقى زيارة مودي لإسرائيل حدثاً يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليغدو مؤشراً على اتجاهات أعمق في السياسة الخارجية الهندية، وعلى التحديات التي تواجهها في إدارة علاقاتها وسط صراعات إقليمية معقدة ومتغيرة.


