تستعر المخاوف الدولية من تحول حالة التوتر الراهن بين موسكو وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى مواجهة عسكرية شاملة، مع توسع تكتيكات الحرب الهجينة وزيادة الاحتكاكات التكتيكية على تخوم أوروبا الشرقية.
وتتزايد شكوك العواصم الأوروبية حول مدة الجاهزية اللوجستية والسرعة المطلوبة لتفعيل الرد الموحد، في وقت قلل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من احتمالية وقوع هجوم مباشر عقب تحركات استخباراتية سرية.
يأتى ذلك فى الوقت الذى تؤكد فيه تقييمات مراكز الأبحاث الدولية أن الكرملين يراهن على استنزاف القدرات الغربية لتنفيذ تحركات استراتيجية خاطفة لاختبار تماسك التحالف الأطلسي.
متاهة الحرب الهجينة
تركز تقييمات الخبراء على أن التهديد الروسي الحقيقي يتجاوز الغزو التقليدي الشامل إلى شن عمليات هجينة معقدة؛ تشمل هجمات سيبرانية مكثفة، وتخريب البنية التحتية لبعض انظمة نقل الحاويات، وعمليات استخباراتية تتحدى التعاريف الصريحة في بند الدفاع الجماعي.
وأوضحت الباحثة في شؤون الأمن القومي جولييت بريتان عبر تحليل نشرته مجلة “نيوزويك” أن المعضلة الأبرز تكمن في غياب الحدود الفاصلة بين العمليات التخريبية المحدودة والاعتداء الصريح الذي يتطلب تفعيل المادة الخامسة، مما يعرض صانع القرار في الحلف لربكة استراتيجية في التوقيت والآلية.
دول البلطيق
تتصدر إستونيا ولاتفيا وليتوانيا قائمة المناطق الأكثر عرضة لاختبارات القوة الروسية نظرًا لشرط القرب الجغرافي وغياب العمق الدفاعي الكافي.
ويرى الباحث جاستن برونك، خبير الشؤون العسكرية والجوية في المعهد الملكي للخدمات الموحدة (RUSI)، أن موسكو قد لا تسعى لغزو كلي، بل قد تكتفي بالاستيلاء على منشأة حيوية أو شريط حدودي ضيق عبر مجموعات مسلحة غير معلنة الهوية لتكرار سيناريو القرم 2014، بهدف وضع الحلف أمام خيارات شائكة تضعف مصداقية ردعه في حال التردد.
تكتيك الجزر
تمتد التخوفات الميدانية إلى امكانية استغلال الثغرات البحرية للسيطرة على جزر استراتيجية مثل غوتلاند وسفالبارد، أو أطباق السيطرة على ممر “سوالكي” البري الفاصل بين بيلاروسيا وجيب كالينينغراد.
ويرى محللون في تقارير نشرها موقع “آي بيبر” البريطاني أن عزل دول البلطيق برياً عبر ممر سوالكي سيشكل شللاً لوجستياً يحرم الناتو من إرسال التعزيزات سريعاً، غير أن هذه الخطوة تظل محفوفة بمخاطر الانزلاق الصريح نحو حرب واسعة النطاق يدركها الطرفان.
صدمة الدقائق الأولى
تؤكد التقييمات العسكرية المتخصصة الصادرة عن معهد “CSIS” للدراسات الاستراتيجية أن معركة الحسم ستتقرر في الساعات الأولى لإعلان التعبئة؛ إذ تعاني الجيوش الأوروبية من نقص حاد في أسطول الدفاع الجوي والذخائر النوعية مقارنة بحجم الاستنزاف الميداني المتوقع.
وعلى الرغم من وجود قوات تثبيت أمريكية وبريطانية في إستونيا وبولندا، فإن عمليات نقل التشكيلات الرئيسية وحشد القدرات الهجومية قد تتطلب أسابيع كاملة، وهو فارق زمني قد تسعى موسكو لاستغلاله لتثبيت الأمر الواقع.
تقدير موقف
تثبت قراءة المؤشرات الميدانية والاستخباراتية أن شرارة الصدام المحتمل بين روسيا والحلف الأطلسي لن تنطلق عبر هجمات صاروخية مدمرة على العواصم الكبرى، بل من خلال اقتطاع جغرافي أو عمل تخريبي غامض يستهدف إحداث شرخ سياسي في الإرادة الغربية.
ويبقى الرهان النهائي مرهوناً بمدى سرعة استجابة مؤسسات الناتو وسرعة التحرك الميداني قبل اكتمال السيطرة التكتيكية، حيث إن أي تردد في تطبيق المادة الخامسة سيكلف الغرب إنهاء منظومة الردع الأطلسي للسنوات القادمة، بينما يعيد أي رد عسكري قاطع رسم قواعد اللعبة على خطوط التماس النووي.
وتنص المادة الخامسة (Article 5) في ميثاق الناتو على أن أي هجوم مسلح ضد أي دولة عضو في الحلف يُعتبر هجوماً على جميع الأعضاء، ويتطلب استجابة جماعية لحماية الحليف المُعتدى عليه.


