بقلم الدكتور عبيد الرحمن ندوي*
اليوم، انغمس معظمنا في الخطايا والرذائل والجرائم والفساد والأنشطة المعادية للمجتمع، بما في ذلك الحروب. بلغت الإنسانية أدنى مستوياتها، وتلاشت قدسيتها. فشلت القوانين القائمة في بثّ الخوف في نفوس العناصر الشريرة، وأصبحت أجهزة إنفاذ القانون عاجزة. من المؤسف أن العالم بأسره يعيش حالة من الاضطراب. طغت المادية على الجوانب النبيلة للحياة، وأصبح الفساد بجميع أنواعه أسلوب حياة.
يبدو أن موجة حوادث الاغتصاب الأخيرة قد مزّقت النسيج الأخلاقي للمجتمع إربًا إربًا، فأصبح أجوفًا من الداخل، وجفت ينابيعه. في هذا السياق، قد نتذكر تي. إس. إليوت، أحد أعظم شعراء القرن العشرين، ألّف قصيدة شهيرة بعنوان “الأرض اليباب” بعد أن لاحظ الانحطاط الأخلاقي والذل والانحطاط والسلوك الوحشي الذي كان سائداً آنذاك في أوروبا. وصف إليوت أوروبا بأنها أرض قاحلة بسبب الخطايا التي ارتكبها أهلها. كما سلّط الضوء على خيبة أمل جيل كامل، مشيراً إلى الانحطاط الروحي وانتشار الشهوة في أوروبا المعاصرة. تنقسم قصيدة “الأرض اليباب” إلى خمسة أقسام:
دفن الموتى،
لعبة الشطرنج،
موعظة النار،
الموت غرقاً،
وما قاله الرعد.
في الأقسام الخمسة، يشير الشاعر إلى فقدان الروحانية من العالم، موضحاً أن الناس في العالم الحديث أصبحوا ماديين.
ومن المشجع أن نلاحظ أن “موعظة النار” هي القسم الثالث من القصيدة، وقد استوحى إليوت فكرتها من موعظة بوذا، حيث يُصوّر العالم وهو يحترق في الشهوة والعاطفة. هناك مئات الخطايا التي تصاحبها. لقد أُدينت الشهوة في الشرق والغرب على حد سواء، لكن سكان الأراضي القاحلة المعاصرين غرقوا فيها غرقًا تامًا. لا وجود للحب. ولذلك يعانون ألمًا أبديًا لا ينتهي. يشرح إليوت ذلك من خلال مشاهد وصور مختلفة.
هذا هو حال الهند اليوم. تمر الأمة بمرحلة انحطاط، فقدت فيها كل احترام للروحانية، وتلاشى فيها جوهر القيم الأخلاقية، وأصبحت المرأة ضحية للشهوة الذكورية والاستغلال.
في ظل هذه الظروف، يغرس الدين فينا خشية الله والقوة الأخلاقية، ويرسم لنا الطريق الذي يجب أن نسلكه، ويعلمنا القيم الإنسانية والمعايير السامية، ويرشدنا إلى سبيل الخلاص والتقدم والازدهار. القيم الإنسانية هي جوهر البشرية، فبدونها لا نكون بشرًا حقيقيين. لذا، من الضروري لكل إنسان أن ينمّي صفات التعاطف والقيم الأخلاقية واللطف والرحمة. بدون هذه الصفات، لا نبقى إلا كائنات بشرية، لا أكثر.
ولا تقتصر القيم الإنسانية على البشر فحسب، بل تمتد لتشمل كل ما خُلق في هذا العالم لمنفعة البشرية. حقوق الوالدين، وحقوق الأبناء، وحقوق الزوج والزوجة، وحقوق الأقارب، وحقوق الجيران، وحقوق الأيتام، والإحسان إلى الأرامل، وحقوق الفقراء، وحقوق المرضى، وحقوق العبيد والخدم، وحقوق الضيوف، وحقوق المسلم على المسلم، والعلاقات الإنسانية، وحقوق الحيوانات، وما شابه ذلك، كلها تندرج تحت القيم الإنسانية.
يقول الدكتور س. رادهاكريشنان في كتابه “المعرفة الحقيقية”: “في حوار قصير في الأوبانيشاد، طُرح سؤال: ما جوهر الحياة الطيبة؟ فأجاب المعلم: “ألم تسمع الجواب؟” فدوى صوت هدير: دا دا دا. ثم أوضح المعلم على الفور أن هذه هي جوهر الحياة الطيبة: داما، دانا، دايا. إنها تشكل أساسيات الحياة الطيبة. يجب أن تتحلى بالداما، أي ضبط النفس، وهو سمة من سمات الإنسان.”
يقول جواهر لال نهرو: “لقد ساهمت الأديان بشكل كبير في تطور البشرية. فقد أرست قيماً ومعايير، وحددت مبادئ لتوجيه حياة الإنسان.” (اكتشاف الهند، ص 511)
ويضيف: “لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون دين.”
وقد كتب غاندي في موضع ما: “هناك من يدّعون، في غطرسة عقولهم، أنهم لا علاقة لهم بالدين. ولكن هذا كمن يقول إنه يتنفس، ولكنه لا يملك أنفاً.”
ويقول أيضاً: “لقد دفعني إخلاصي للحقيقة إلى خوض غمار السياسة؛ وأستطيع أن أقول دون أدنى تردد، وبكل صدق وإخلاص، إن من يقولون إن الدين لا علاقة له بالسياسة لا يعرفون معنى الدين.” (سيرة ذاتية، ص 379)
تجدر الإشارة إلى أن جوهر جميع الأديان هو الإنسانية، التي تتمحور حول البر والعمل والإبداع والرزق والسعادة، وصولاً إلى تحقيق الذات ومعرفة من أنا ومن هو الله. يُوصف الإنسان بأنه كائن اجتماعي، لكنه ينسى غايته في الحياة بانشغاله بالجشع وغيره من الشرور. الحيوانات أكثر امتنانًا من الإنسان. جميعكم تعرفون قصة “ألكسندرا، الجارية والأسد”. بعد أن عولجت من جرحها، لم يفترسها الأسد رغم جوعه الشديد. يخدم الدين في كل مكان غرض دعم المبادئ الأخلاقية والاجتماعية التي ساهمت في تحضر الإنسان. (التنوير من خلال الإنسانية والروحانية، ص 57)
قال أحد العلماء البارزين بحق: “نتيجةً للمفهوم المادي للحياة، يواجه البشر اليوم أزمةً ربما لا مثيل لها في التاريخ. هذه الأزمة، التي تعمّ جميع مناحي الحياة، اتخذت شكل ثورة عالمية ضد الدين. يكشف التحليل النفسي لهذا الوضع أنه نتاج شعور أساسي بانعدام الأمن. يقف العالم اليوم على حافة الهاوية، ويُخيّم شبح الحرب الذرية فوق رؤوسنا. إن أرادت الإنسانية البقاء، فلا خيار أمامها سوى التحرر من مفهوم المادية والتوجه بتواضع إلى الله طلباً للسلام والازدهار في العالم. لا بد من الاختيار بين الدمار والبقاء عاجلاً أم آجلاً.”
من الضروري أن نبتعد عن الأعمال اللاإنسانية والإرهابية. لا يسمح أي دين بمثل هذه الفظائع والجرائم. من يرتكب مثل هذه الجرائم الشنيعة والمخالفات، فهو ليس من أتباع دينه الحقيقيين. إنه فاسق، حاقد، وغير مخلص لدينه.
إن الحاجة المُلحة اليوم هي أن نلتزم بتعاليم ديننا نصًا وروحًا. علاوة على ذلك، يجب أن ننمي في أنفسنا روح الإنسانية، وأن نبادر إلى تقديم العون والخير للفقراء والمهمشين في المجتمع، بغض النظر عن الطبقة أو العقيدة أو اللون أو المنطقة.
باختصار، لقد آن الأوان لنُهذّب سلوكنا وتصرفاتنا، وأن نتحلى بالقيم الأخلاقية والفضائل الحميدة. كما يجب علينا تجنب جميع أنواع الأنشطة المُعادية للمجتمع التي تُضعفنا وتُؤدي بنا إلى الهلاك والدمار. لا شك أن الأخلاق وحدها هي التي تمنعنا من ارتكاب الجرائم الشنيعة والأعمال المُخالفة للشريعة. إنها تلك الصفة التي تُميز الإنسان عن الحيوان.
*[الكاتب عضو هيئة تدريس، دار العلوم ندوة العلماء، لكناو، أوتار براديش]







