أعادت العملية المسلحة التي استهدفت مجمعاً أمنياً بمدينة «كوهات» أمس، إشعال فتيل الأزمة المعقدة بين إسلام آباد وكابول.
وفي مقابل الرواية الباكستانية، ترفض الحكومة الأفغانية رفضا قاطعا اتهامها بتقديم ملاذات آمنة للتنظيمات المناهضة لباكستان، مؤكدة أن تسوية ملف الحدود الحساس يجب أن تمر عبر قنوات الحوار الدبلوماسي والتحقق الميداني المباشر من الوقائع، بدلاً من اللجوء إلى القصف الخارجي داخل أراضيها.
تفاصيل الهجوم
وقع الهجوم في استهداف مباشر لمسجد يقع داخل المجمع الشرطي أثناء أداء صلاة الجمعة، مما أسفر عن مقتل 21 شخصاً—من بينهم 15 عنصر أمني—وإصابة أكثر من مئة آخرين، وفق ما نشرته صحيفة «دون» الباكستانية.
وتكتنف هوية الجهة المنفذة حالة من التضارب التنظيمي؛ إذ أعلنت جماعة مرتبطة بحركة «طالبان باكستان» مسئوليتها عن العملية وفق شبكة «الجزيرة»، في حين سارعت قيادة الحركة نفسها بنفي أي صلة لها بالهجوم عبر تصريحات نقلتها وكالة «رويترز»، مما يفرض انتظار نتائج التحقيقات الرسمية النهائية.
رؤية إسلام آباد
ترى الحكومة الباكستانية أن المشكلة الأمنية تتجاوز نطاق حادثة كوهات، حيث تتهم «طالبان باكستان» باتخاذ الأراضي الأفغانية قاعدة إسناد خلفية لتخطيط وتنفيذ عملياتها العسكرية.
وفي المقابل، تشدد السلطات الأفغانية على أن «طالبان باكستان» كيان مستقل تماماً عن السلطة القائمة في كابول، مؤكدة أنه رغم العلاقات والتحالفات التاريخية المتبادلة بين الجانبين، فإن ذلك لا يعني إدارة تحركاتها الميدانية أو توجيه هجماتها الحدودية.
مطالبات الدليل
أوضح سفير طالبان لدى إسلام آباد، سردار أحمد شكيب، أن كابول تتفهم المخاوف الأمنية لجارتها، إلا أنها تشترط للتعامل معها استناد الاتهامات إلى معلومات استخباراتية محددة تشمل الأسماء والشبكات القابلة للتحقق.
وتؤكد السلطات الأفغانية رغبتها في التأسيس لحوار مباشر لمعالجة هواجس الطرفين، رافضة تحويل المخاوف الأمنية إلى مسوغ تلقائي لخرق السيادة وانتهاك المجال الجوي تحت ذريعة ملاحقة العناصر المسلحة.
ردود كابول
شدد المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، أمس، على أن أفغانستان ستدافع بصلابة عن أراضيها ضد أي غارات باكستانية.
وتستند كابول في موقفها إلى خسائرها الإنسانية؛ إذ كشف نائب المتحدث باسم الحكومة، حمد الله فطرت، أن الضربات الباكستانية الممتدة خلفت 36 قتيلاً و163 جريحاً من المدنيين، مما دفع الخارجية الأفغانية لاستدعاء القائم بالأعمال الباكستاني واحتجاجها رسمياً على قصف المنازل بمحافظات كونر وبكتيكا وبكتيا.
تداعيات الميدان
تظهر هذه التطورات عمق الانقسام الإقليمي؛ ففي حين تكابد إسلام آباد خسائر بشرية وأمنية متصاعدة في إقليم «خيبر بختونخوا» والمناطق الحدودية، ترى كابول أن العمليات العسكرية الباكستانية داخل العمق الأفغاني توجد معضلة سيادية إضافية.
وتتسبب هذه الضربات المتكررة في حبس البلدين داخل حلقة مفرغة من الردود العسكرية والاستنزاف المتبادل، بدلاً من معالجة الجذور الحقيقية للاضطراب.
تقييم الأمم المتحدة
أشار تقييم صادر عن الأمم المتحدة لشهر سبتمبر إلى انخفاض حدة المواجهات الواسعة مقارنة بالذروة المسجلة أواخر يونيو وأوائل يوليو، مع استمرار التوتر المكتوم بسبب ملف الجماعات المسلحة وعرقلة حركة التجارة.
ولا يمثل التوقف التجاري قضية فرعية؛ إذ يعتمد سكان الحدود على انسيابية البضائع.
ورغم إقرار الخارجية الباكستانية في 17 سبتمبر بتقديم تسهيلات سابقة لتجارة العبور، فإن ملف المعابر والتأشيرات يظل عالقاً.
الوساطات الإقليمية
دخلت أطراف إقليمية محورية مثل تركيا وقطر والصين على خط الأزمة لتهدئة التوتر؛ حيث أجرى رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن لقاءات رفيعة مع مسؤولي البلدين قبل الهجوم الأخير.
ويرهن مراقبون إنهاء الأزمة بالتأسيس لآلية تحقق أمنية مشتركة تعتمد على تبادل البيانات المحددة وضبط الممرات الحدودية، بما يضمن عدم استهداف أي طرف للأخر، بعيداً عن إطلاق الاتهامات واستعراض القوة العسكرية.
حدود الردع العسكري
يعكس الموقف بين إسلام آباد وكابول فشل خيار الحسم العسكري الأحادي في إنهاء التهديدات عبر الحدود.
إن إصرار باكستان على الضربات الجوية يوفر حلاً أمنياً مؤقتاً لكنه يضر بالسيادة الأفغانية ويضاعف الكلفة المدنية، مما يحول الحكومة الأفغانية من شريك محتمل في ضبط الحدود إلى طرف مدافع عن سيادته، وهذا حقه الأصيل.
وتتوقف استدامة الأمن الإقليمي على الانتقال إلى استراتيجية قوامها تبادل المعلومات، وتشكيل لجان تحقق ميدانية مشتركة، واستغلال الوساطات الإقليمية للوصول إلى صيغة أمنية تضمن كبح النشاط المسلح دون المساس بسلامة الأراضي.
تفاعلات الهجوم
تؤكد تفاعلات هجوم كوهات أن التعاطي مع ملف الإرهاب العابر للحدود يتطلب توازناً دقيقاً بين الأولويات الأمنية الباكستانية والحقوق السيادية الأفغانية.
وإن الخروج من هذا المأزق سيتطلب تفعيلاً عاجلاً لقنوات الاتصال المباشر والآليات الاستخباراتية المشتركة برعاية إقليمية، بما يضمن صون دماء المدنيين واستعادة حركة التجارة، وتفادي انزلاق المنطقة نحو مواجهة استنزافية شاملة لا تخدم سوى التنظيمات المسلحة.