لم يكن عبد الله البردوني شاعرًا فقد بصره في طفولته فحسب؛ كان شاعرًا امتلك من البصيرة ما جعل العمى في حياته تفصيلًا عابرًا أمام اتساع الرؤية.
أطفأ الجدري عيني الصبي، لكنه لم يستطع أن يطفئ العين التي وُلدت في أعماقه؛ عين الشاعر التي ترى ما وراء الوجوه، وتقرأ ما بين السطور، وتلتقط من حركة التاريخ ما يفلت من أعين المبصرين.
في الشعر العربي الحديث، يقف البردوني في مقام لا تُقاس قامته بكثرة دواوينه ولا بطول تجربته وحدهما، وإنما بقدرته النادرة على أن يجعل القصيدة شاهدًا على عصرها، ومحاكمةً لواقعه، وذاكرةً ليمنٍ مثقلٍ بالحروب والانكسارات والأحلام المؤجلة.
كان شاعرًا لا يكتفي بأن يقول الجميل، بل كان يريد للشعر أن يقول الحقيقة؛ ولذلك جاءت قصيدته حادةً كالسؤال، ساخرةً كمن أدرك مبكرًا مفارقات زمانه، وموجعةً كجرحٍ لا يسمح لصاحبه بالنسيان.
ومن صنعاء، التي حملها في قلبه وحوّلها إلى قصيدة وذاكرة، ومن اليمن التي رأى في تاريخها المجد والانكسار، ارتفع صوت البردوني مختلفًا عن السائد؛ صوت شاعرٍ يملك تراث العربية في يده، لكنه لا يعيش أسيرًا له، ويعرف عمود الشعر معرفةً عميقة، ثم يفتح في جداره نافذةً على الحداثة دون أن يفرّط في أصالة اللغة أو موسيقى القصيدة.
ولعل عظمة البردوني تتجلى أكثر حين نقرأه وهو يخاطب أبا تمام، فيجعل من شاعر عباسي راحل مرآةً لعصر عربي مثقل بالهزائم والأسئلة.
هناك لا يعود الشعر وصفًا للواقع، بل يصبح مواجهةً معه؛ ولا يعود الماضي ماضيًا، بل شاهدًا على حاضرٍ يتكرر فيه السؤال نفسه: ماذا فعل العرب بما ورثوه من تاريخ وقوة وكرامة؟
كان البردوني ضرير العين، لكنه لم يكن ضرير الرؤية؛ بل ربما كان فقدان البصر أحد أسرار تلك الحدة التي نفذ بها إلى أعماق الأشياء.
ظل يرى اليمن حين يختلط عليها الطريق، ويرى العرب حين تتوارى الحقيقة خلف الخطب والشعارات، ويرى الإنسان حين تضيق به الجغرافيا والتاريخ والسياسة.
ولذلك بقي شعره بعد رحيله في 30 أغسطس 1999م حيًّا؛ لأن القصيدة التي ترى عصرها بصدق لا تموت بموت صاحبها، وإنما تبدأ حياةً أخرى في ذاكرة القراء.
الأباةُ الذين بالأمسِ ثاروا/
أيقظوا حولنا الذئابَ وناموا/
حين قُلنا قاموا بثورةِ شعبٍ/
قَعدوا قبل أن يروا كيف قاموا/
ربما أحسنوا البدايات لكنْ/
هل يحسّون كيف ساءَ الختامُ؟ /

عبد الله صالح حسن الشحف البَرَدُّوْنِي
(1929م – 30 أغسطس 1999م)
شاعر وناقد أدبي ومؤرّخ ومدرّس يمني
تناولت مؤلفاته تاريخ الشعر القديم والحديث في اليمن وموضوعات أدبية وسياسية يمنية وعربية.
غلبَ على قصائده الميل إلى السخرية والرثاء، وكان أسلوب ونمطية شعره تميل إلى الحداثة عكس الشعراء القبليين في اليمن.
يعدّ البردوني رمزًا من رموز الأدب العربي الحديث، حيث كان بارعًا مجدّدًا في أشعاره، ويتمثّل التّجديد لدى البردوني في مقدرته العظيمة على تطويع العناصر الأدبيّة والفنيّة المتنوّعة في أشعاره
– وُلدَ “عبد الله صالح حسن البردوني” عام 1929م، في قرية البردون – محافظة ذمار باليمن،
ورحلَ عن الدنيا في 30 أغسطس 1999م.
– أصيب بالجدري الذي أدى إلى فقدانه بصره وهو في الخامسة من عمره.
– بدأ اهتمامه بالشعر والأدب في سنٍ مبكرة، ودأب على حفظ مايقع بين يديه من قصائد، وانتقل إلى صنعاء في أواسط العشرينيات من عمره ونال جائزة التفوق اللغوي من دار العلوم الشرعية.
– سُجِنَ في عهد الإمام أحمد بن يحيى لمساندته ثورة الدستور عام 1948م.
دواوينه:
أصدر 12 ديوانا شعريا من 1961م – 1994م:
1- من أرض بلقيس
2- مدينة الغد
3- لعيني أم بلقيس
4- السفر إلى الأيام الخضر
5- وجوه دخانية في مرايا الليل
6- زمان بلا نوعية
7- ترجمة رملية لأعراس الغبار
8- كائنات الشوق الآخر
9- رواغ المصابيح
10- جواب العصور
11- رجعة الحكيم بن زائد
12- في طريق الفجر
مؤلفاته الفكرية :
1- رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه
2- قضايا يمنية
3- فنون الأدب الشعبي في اليمن
4- اليمن الجمهوري
5- الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية
6- الثقافة والثورة
7- من أول قصيدة إلى آخر طلقة.. دراسة في شعر الزبيري وحياته
…………….
يقول البردوني في قصيدته (أبو تمام وعروبة اليوم):

ما أَصْدَقَ السَّيْفَ! إِنْ لَمْ يُنْضِهِ الكَـذِبُ/
وَأَكْذَبَ السَّيْفَ إِنْ لَمْ يَصْـدُقِ الغَضَـبُ/
بِيضُ الصَّفَائِـحِ أَهْـدَى حِيـنَ تَحْمِلُهَـا/
أَيْـدٍ إِذَا غَلَبَـتْ يَعْلُـو بِهَـا الغَـلَـبُ/
وَأَقْبَـحَ النَّصْرِ..نَصْـرُ الأَقْوِيَـاءِ بِـلاَ/
فَهْمٍ سِوَى فَهْمِ كَمْ بَاعُوا وَكَمْ كَسَبُـوا/
أَدْهَى مِنَ الجَهْـلِ عِلْـمٌ يَطْمَئِـنُّ إِلَـى/
أَنْصَـافِ نَاسٍ طَغَوا بِالعِلْـمِ وَاغْتَصَبُـوا/
قَالُوا: هُمُ البَشَرُ الأَرْقَـى وَمَـا أَكَلُـوا/
شَيْئَاً .. كَمَا أَكَلُـوا الإنْسَـانَ أَوْ شَرِبُـوا/
* * * * *
مَاذَا جَرَى.. يَـا أَبَـا تَمَّـامَ تَسْأَلُنِـي؟/
عَفْوَاً سَـأَرْوِي .. وَلا تَسْأَلْ .. وَمَا السَّبَبُ/
يَدْمَـى السُّـؤَالُ حَيَـاءً حِيـنَ نَسْأَلُـُه/
كَيْفَ احْتَفَتْ بِالعِدَى «حَيْفَا» أَوِ «النَّقَـبُ»/
مَنْ ذَا يُلَبِّـي؟ أَمَـا إِصْـرَارُ مُعْتَصِـمٍ؟/
كَلاَّ وَأَخْزَى مِنَ «الأَفْشِينَ» مَـا صُلِبُـوا/
اليَوْمَ عَـادَتْ عُلُـوجُ «الـرُّومِ» فَاتِحَـةً/
وَمَوْطِـنُ العَرَبِ المَسْلُـوبُ وَالسَّلَـبُ/
مَاذَا فَعَلْنَـا؟ غَضِبْنَـا كَالرِّجَـالِ وَلَـمْ/
نَصْدُقْ.. وَقَدْ صَـدَقَ التَّنْجِيـمُ وَالكُتُـبُ/
فَأَطْفَـأَتْ شُهُـبُ «المِيـرَاجِ» أَنْجُمَنَـا/
وَشَمْسَنَا … وَتَحَـدَّت نَارَهَـا الحَطَـبُ/
وَقَاتَلَـتْ دُونَنَـا الأَبْــوَاقُ صَـامِـدَةً/
أَمَّا الرِّجَالُ فَمَاتُـوا…ثَـمَّ أَوْ هَرَبُـوا/
حُكَّامُنَا إِنْ تَصَـدّوا لِلْحِمَـى اقْتَحَمُـوا/
وَإِنْ تَصَدَّى لَـهُ المُسْتَعْمِـرُ انْسَحَبُـوا/
هُمْ يَفْرُشـُونَ لِجَيْـشِ الغَـزْوِ أَعْيُنَهُـمْ/
وَيَدَّعُـونَ وُثُـوبَـاً قَـبْـلَ أَنْ يَثِـبُـوا/
الحَاكِمُونَ و«وَاشُنْـطُـنْ» حُكُومَتُـهُـمْ/
وَاللامِعُـونَ .. وَمَـا شَعَّـوا وَلا غَرَبُـوا/
القَاتِلُـونَ نُبُـوغَ الشَّـعْـبِ تَرْضِـيَـةً/
لِلْمُعْتَدِيـنَ وَمَـا أَجْدَتْـهُـمُ الـقُـرَبُ/
لَهُمْ شُمُـوخُ «المُثَنَّـى» ظَاهِـرَاً وَلَهُـمْ/
هَـوَىً إِلَـى «بَابَـك الخَرْمِـيّ» يُنْتَسَـبُ/
مَاذَا تَرَى يَا «أَبَـا تَمَّـامَ» هَـلْ كَذَبَـتْ/
أَحْسَابُنَـا؟ أَوْ تَنَاسَـى عِرْقَـهُ الذَّهَـبُ؟/
عُرُوبَـةُ اليَـوَمِ أُخْـرَى لا يَنِـمُّ عَلَـى/
وُجُودِهَـا اسْـمٌ وَلا لَـوْنٌ وَلا لَـقَـبُ/
تِسْعُونَ أَلْفَـاً «لِعَمُّـورِيَّـةَ» اتَّـقَـدُوا/
وَلِلْمُنَجِّـمِ قَـالُـوا: إِنَّـنَـا الشُّـهُـبُ/
قِيلَ: انْتِظَارَ قِطَافِ الكَرْمِ مَـا انْتَظَـرُوا/
نُضْـجَ العَنَاقِيـدِ لَكِـنْ قَبْلَهَـا الْتَهَبُـوا/
وَاليَـوْمَ تِسْعُـونَ مِلْيونَـاً وَمَـا بَلَغُـوا/
نُضْجَـاً وَقَدْ عُصِـرَ الزَّيْتُـونُ وَالعِنَـبُ/
تَنْسَى الرُّؤُوسُ العَوَالِـي نَـارَ نَخْوَتِهَـا/
إِذَا امْتَطَاهَـا إِلَـى أَسْـيَـادِهِ الـذَّنَـبُ/
«حَبِيبُ» وَافَيْتُ مِـنْ صَنْعَـاءَ يَحْمِلُنِـي/
نَسْرٌ وَخَلْفَ ضُلُوعِـي يَلْهَـثُ العَـرَبُ/
مَاذَا أُحَدِّثُ عَـنْ صَنْعَـاءَ يَـا أَبَتِـي؟/
مَلِيحَـةٌ عَاشِقَاهَـا: السِّـلُّ وَالـجَـرَبُ/
مَاتَـتْ بِصُنْـدُوقِ «وَضَّاحٍ» بِـلاَ ثَمَـنٍ/
وَلَمْ يَمُتْ فِي حَشَاهَا العِشْـقُ وَالطَّـرَبُ/
كَانَتْ تُرَاقِبُ صُبْـحَ البَعْـثِ فَانْبَعَثَـتْ/
فِي الحُلْمِ ثُمَّ ارْتَمَـتْ تَغْفُـو وَتَرْتَقِـبُ/
لَكِنَّهَا رُغْمَ بُخْـلِ الغَيْـثِ مَـا بَرِحَـتْ/
حُبْلَى وَفِي بَطْنِهَـا «قَحْطَـانُ» أَوْ «كَرَبُ»/
وَفِـي أَسَـى مُقْلَتَيْهَـا يَغْتَلِـي «يَمَـنٌ»/
ثَانٍ كَحُلْـمِ الصِّبَـا… يَنْـأَى وَيَقْتَـرِبُ/
«حَبِيبُ» تَسْأَلُ عَنْ حَالِي وَكَيْـفَ أَنَـا؟/
شُبَّابَـةٌ فِـي شِفَـاهِ الرِّيـحِ تَنْتَـحِـبُ/
كَانَتْ بِلاَدُكَ «رِحْلاً»، ظَهْـرَ «نَاجِيَـةٍ»/
أَمَّـا بِـلاَدِي فَلاَ ظَهْـرٌ وَلاَ غَـبَـبُ/
أَرْعَيْـتَ كُـلَّ جَدِيـبٍ لَحْـمَ رَاحِلَـةٍ/
كَانَتْ رَعَتْـهُ وَمَـاءُ الـرَّوْضِ يَنْسَكِـبُ/
وَرُحْتَ مِنْ سَفَـرٍ مُضْـنٍ إِلَـى سَفَـرٍ/
أَضْنَـى لأَنَّ طَرِيـقَ الرَّاحَـةِ التَّـعَـبُ/
لَكِنْ أَنَا رَاحِـلٌ فِـي غَيْـرِ مَـا سَفَـرٍ/
رَحْلِي دَمِي …وَطَرِيقِي الجَمْرُ وَالحَطَـبُ/
إِذَا امْتَطَيْـتَ رِكَابَـاً لِلـنَّـوَى فَـأَنَـا/
فِي دَاخِلِي .. أَمْتَطِـي نَـارِي وَاغْتَـرِبُ/
قَبْرِي وَمَأْسَـاةُ مِيـلاَدِي عَلَـى كَتِفِـي/
وَحَوْلِـيَ العَـدَمُ المَنْفُـوخُ وَالصَّخَـبُ/
«حَبِيبُ» هَـذَا صَدَاكَ اليَـوْمَ أَنْشُـدُهُ/
لَكِـنْ لِمَـاذَا تَـرَى وَجْهِـي وَتَكْتَئِـبُ؟/
مَاذَا؟ أَتَعْجَـبُ مِنْ شَيْبِي عَلَى صِغَـرِي؟/
إِنِّي وُلِدْتُ عَجُـوزَاً .. كَيْـفَ تَعْتَجِـبُ؟/
وَاليَـوْمَ أَذْوِي وَطَيْـشُ الفَـنِّ يَعْزِفُنِـي/
وَالأَرْبَعُـونَ عَلَـى خَــدَّيَّ تَلْتَـهِـبُ/
كَـذَا إِذَا ابْيَـضَّ إِينَـاعُ الحَيَـاةِ عَلَـى/
وَجْـهِ الأَدِيـبِ أَضَـاءَ الفِكْـرُ وَالأَدَبُ/
* * * * *
وَأَنْتَ مَنْ شِبْتَ قَبْـلَ الأَرْبَعِيـنَ عَلَـى/
نَـارِ «الحَمَاسَـةَ» تَجْلُوهَـا وَتَنْتَـحِـبُ/
وَتَجْتَـدِي كُـلَّ لِـصٍّ مُتْـرَفٍ هِـبَـةً/
وَأَنْتَ تُعْطِيـهِ شِعْـرَاً فَـوْقَ مَـا يَهِـبُ/
شَرَّقْتَ غَرَّبْتَ مِنْ «وَالٍ» إِلَـى «مَلِـكٍ»/
يَحُثُّـكَ الفَقْـرُ… أَوْ يَقْتَـادُكَ الطَّلَـبُ/
طَوَّفْتَ حَتَّى وَصَلْتَ «الموصِلِ» انْطَفَأَتْ/
فِيـكَ الأَمَانِـي وَلَـمْ يَشْبَـعْ لَهَـا أَرَبُ/
لَكِـنَّ مَـوْتَ المُجِيـدِ الفَـذِّ يَـبْـدَأه/
وِلادَةً مِـنْ صِبَاهَـا تَرْضَـعُ الحِقَـبُ/
* * * * *
«حَبِيبُ» مَـا زَالَ فِـي عَيْنَيْـكَ أَسْئِلَـةً/
تَبْـدُو… وَتَنْسَـى حِكَايَاهَـا فَتَنْتَـقِـبُ/
وَمَا تَـزَالُ بِحَلْقِـي أَلْــفُ مُبْكِـيَـةٍ/
مِنْ رُهْبـَةِ البَوْحِ تَسْتَحْيِـي وَتَضْطَـرِبُ/
يَكْفِيـكَ أَنَّ عِدَانَـا أَهْـدَرُوا دَمَـنَـا/
وَنَحْـنُ مِـنْ دَمِنَـا نَحْسُـو وَنَحْتَلِـبُ/
سَحَائِـبُ الغَـزْوِ تَشْوِينَـا وَتَحْجِبُـنَـا/
يَوْمَاً سَتَحْبَلُ مِـنْ إِرْعَادِنَـا السُّحُـبُ؟/
أَلاَ تَـرَى يَـا أَبَـا تَمَّـامَ بَارِقَـنَـا/
إِنَّ السَّمَـاءَ تُرَجَّـى حِيـنَ تُحْتَجَـبُ/


