كتاب «فلسطين: سلام لا تفرقة عنصرية» من تأليف الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر.
عنوانه الأصلي Palestine: Peace Not Apartheid.
صدر بالإنجليزية في نوفمبر 2006 عن دار سايمون آند شوستر.
ونقله إلى العربية منير الرفاعي ومحمد محمود التوبة، وصدرت ترجمته عن مكتبة العبيكان في الرياض عام 2007.
يقع في نحو 240 صفحة في طبعته العربية، وهو يُصنَّف ضمن كتب السياسة الدولية وتاريخ الشرق الأوسط.
مقدمة
قلّما يكتب رئيس أمريكي سابق كتابًا يضع فيه سياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة موضع المساءلة.
وقلّما يجرؤ على ذلك رجل قضى عمره في قلب المؤسسة السياسية الأمريكية.
لذلك لم يكن الكتاب مجرد مذكرات عن الشرق الأوسط، بل صار حدثًا سياسيًا وإعلاميًا في واشنطن.
وقد بدأت ضجته من عنوانه قبل أن يقرأه أكثر منتقديه.
تلخيص الكتاب
يرى كارتر أن العقبة الكبرى أمام السلام هي استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية واستيطانها.
ويدعو إلى حل الدولتين على أساس حدود ما قبل 1967، مع وقف العنف من الجانبين.
ويصف واقع الضفة الغربية بأنه نظام فصل وسيطرة يذكّر بالأبارتايد.
ويستند في ذلك إلى زياراته المتكررة للمنطقة، وإلى إشرافه على الانتخابات الفلسطينية عامي 2005 و2006.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
يفتتح الكتاب بجدول زمني للأحداث ليضع القارئ في سياق الصراع.
ثم يعرض فصلًا عن فرص السلام والعقبات الدائمة أمامه.
وفيه يذكر رغبة بعض الإسرائيليين في ضم الأرض، ورفض بعض العرب قبول إسرائيل، وغياب الجهد الأمريكي القائم على القانون الدولي.
ويروي بعد ذلك زيارته الأولى لإسرائيل عام 1973.
ويلاحظ أن جسر اللنبي كان يعجّ بالعرب الزائرين بحرية، ثم تباطأت الحشود بعد 1983 وامتدت الطوابير وكثر الجنود.
ويخصص فصولًا لرئاسته بين 1977 و1981 وما تحقق فيها من اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.
ثم يتناول اللاعبين الرئيسيين، وعلى رأسهم مناحيم بيغن الذي رأى أن أرض غزة والضفة تخص إسرائيل ولا تُقايَض بسلام دائم.
ثم ينتقل إلى عهود ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن، ويحاسب كل إدارة على ما فعلته وما تركته.
وفي فصل أوسلو يقول إن إسرائيل واصلت مصادرة الأراضي، فأفرغت الاتفاق من مضمونه بينما نفّذه الفلسطينيون بحذافيره.
ويناقش مبادرة جنيف عام 2003 بوصفها نموذجًا عمليًا للحل.
ثم يروي انتخابات 2005 و2006 وفوز حماس وتداعياته.
ويخصص فصلًا للجدار الفاصل، ويرى أنه لم يُبنَ على الخط الأخضر، بل داخل الأراضي الفلسطينية لقضم المزيد منها.
ويختم بخلاصة تؤكد أن أغلبية الشعبين تقبل حل الدولتين، وأن السياسيين لم تصلهم رسالة المواطنين بعد.
أهم أقوال الكتاب
يقول كارتر إن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية واستعمارها هما العقبتان الأساسيتان أمام السلام.
ويوضح أنه لا يقصد بالأبارتايد العنصرية، بل الفصل القسري والهيمنة على أرض غيره.
ويرى أن رفض الحديث مع من نختلف معهم يأتي بنتائج عكسية.
ويدعو إلى حوار أمريكي أوسع من ثنائية «الإسرائيليون جيدون والفلسطينيون سيئون».
ويرى أن الاعتراف بالحدود ينبغي أن يُعلَن أمام الرأي العام.
أهمية الكتاب
تأتي أهمية الكتاب من صاحبه قبل موضوعه.
فهو شهادة من داخل النظام السياسي الأمريكي، صدرت عن رجل وسيط وشاهد على مفاوضات كامب ديفيد.
وقد كسر الكتاب حاجزًا نفسيًا في الخطاب الأمريكي، وفتح الباب أمام مناقشة علنية لم تكن مألوفة.
كما أنه يُظهر أن نقد السياسات الإسرائيلية لا يعني عداء لليهود، وأن الدفاع عن الفلسطينيين قد يصدر عن مسيحي متدين يعرض قضيته بلغة الحقوق والقانون.
نقد الكتاب
واجه الكتاب هجومًا عنيفًا من مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة، واتُّهم صاحبه بالمبالغة وسوء الاستشهاد.
واستقال أربعة عشر عضوًا من مجلس مركز كارتر احتجاجًا عليه.
وثمة نقد آخر من زاوية مختلفة.
فالكتاب يقوم على حل الدولتين، وهذا يعني القبول بدولة فلسطينية على نحو خمس مساحة فلسطين التاريخية.
ويرى كثير من الفلسطينيين والعرب أن هذا سقف منخفض لا يعالج جذر القضية، أي النكبة وحق العودة.
كما يميل الكتاب إلى تحميل الطرفين مسؤولية متقاربة في الشكل، مع أن ميزان القوة بينهما شديد الاختلال.
ويقدّم حركة حماس في الغالب بوصفها عقبة، ولا يتوسع في سياقها بوصفها حركة مقاومة ذات جذور شعبية.
ثم إن الكتاب صدر عام 2006، فهو لا يصف واقع اليوم، وإن ظل شاهدًا على بدايات ما تفاقم بعده.
كتب مشابهة
من الكتب القريبة في موضوعها كتاب «قضية فلسطين» لإدوارد سعيد.
وكتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية» لجون ميرشايمر وستيفن والت.
وكتاب «التطهير العرقي في فلسطين» لإيلان بابيه.
وكتاب «حرب المئة عام على فلسطين» لرشيد الخالدي.
ومن الكتب العربية «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» لروجيه غارودي، و«الأيديولوجية الصهيونية» لعبد الوهاب المسيري.
ربط الكتاب بالواقع الآن
بعد قرابة عقدين من صدور الكتاب، صار مصطلح الأبارتايد متداولًا في تقارير منظمات حقوقية كبرى مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي وبتسيلم.
وأكدت محكمة العدل الدولية في رأي استشاري عام 2024 عدم قانونية استمرار الاحتلال.
أما الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 فقد أعادت القضية إلى صدارة الوعي العالمي بثمن باهظ من الدم.
واتسع الاستيطان في الضفة الغربية أضعافًا، وتراجعت فرص حل الدولتين التي دافع عنها كارتر حتى آخر حياته.
ولذلك يُقرأ الكتاب اليوم بوصف صاحبه أنذر مبكرًا، ولم يجد من يصغي إليه.
سيرة المؤلف
وُلد جيمس إيرل كارتر، المعروف بجيمي كارتر، عام 1924 في بلدة بلينز بولاية جورجيا.
وهو أمريكي الجنسية، وكان الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة بين 1977 و1981.
وعُرف بتدينه المسيحي المعمداني وتعليمه في مدرسة الأحد.
أسس مع زوجته روزالين مركز كارتر عام 1982 للعمل في حقوق الإنسان ومراقبة الانتخابات ومكافحة الأمراض.
ونال جائزة نوبل للسلام عام 2002.
وتوفي في 29 ديسمبر 2024 عن مئة عام.
ومن مؤلفاته «الحفاظ على الإيمان» و«دم إبراهيم» و«ساعة قبل نور النهار» و«قيمنا المعرَّضة للخطر» و«نستطيع أن نحقق السلام في الأرض المقدسة».
وله كتابات عن سيرته وإيمانه.
الكتاب في ميزان الإسلام
ينبغي أن نقرأ هذا الكتاب بميزان العدل الذي أمرنا به.
قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ».
وقال سبحانه: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا».
فالحق لا يُرد لأن قائله من غير ملتنا، والحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها.
وشهادة كارتر على الظلم الواقع على الفلسطينيين تستحق الاعتبار، وإن كنا لا نتبنى كل ما فيها.
ولكن العدل نفسه يقتضي أن نميّز بين الشهادة والمرجعية.
فالكتاب رؤية سياسية بشرية، لا تعبّر عن موقف شرعي للأمة من قضية القدس والمسجد الأقصى وأرض فلسطين، وهي أرض مباركة لها في وجدان المسلمين مكانة عقدية وتاريخية.
وقبول حل الدولتين مسألة سياسية اجتهادية اختلف فيها الفلسطينيون والعلماء، ولا يُبنى عليها تنازل عن حق ولا اعتراف بشرعية احتلال.
وفي المقابل، لا يجوز أن نستدل بالكتاب على ما لا يقوله، فصاحبه غير مسلم، وله منطلقاته المسيحية وارتباطه بالنظام الأمريكي.
ثم إن الكتاب يذكّرنا بأن نصرة المظلوم واجب، وأن الكلمة الصادقة قد تكون جهادًا في زمن الصمت.
وفيه درس لنا نحن أيضًا في أن نخاطب العالم بلغة الحقوق والقانون، إلى جانب لغة الدين والعقيدة.


