لم يعد تلوث الهواء في إيران مجرد أزمة بيئية عابرة أو نتيجة لظروف مناخية، بل تحول في ظل سياسات النظام الحاكم إلى مؤشر صارخ على “الفصل العنصري الطبقي”، حيث يحدد الرصيد البنكي للفرد نوعية الهواء الذي يدخل رئتيه. في نظام يتسم بسوء الإدارة المزمن والفساد الهيكلي، باتت أبسط الوظائف الحيوية للإنسان – أي التنفس – خاضعة لمنطق الربح والجشع، مما حول السماء الرمادية فوق المدن الإيرانية إلى مرآة تعكس أعمق صور الظلم الاجتماعي.
جغرافيا الموت: هواء نقي للأغنياء وسموم للكادحين
تكشف خريطة التلوث في إيران عن انقسام حاد ومؤلم. ففي العاصمة طهران، ترزح الأحياء الجنوبية والمركزية – حيث تتركز الفئات ذات الدخل المحدود ومعدلات الفقر المرتفعة – تحت سحب كثيفة من السموم بشكل دائم. هذا النمط يتكرر بصورة مأساوية في مدن كبرى مثل الأهواز، أصفهان، مشهد، وكرج.

في هذه المناطق، تتلاصق الأحياء الفقيرة مع المناطق الصناعية والمصافي وممرات المرور المزدحمة، مما يجبر سكانها على استنشاق الجسيمات السامة يومياً. في المقابل، يتمتع سكان الأحياء الثرية في شمال المدن بامتياز “الهواء النظيف” غير المرئي، بينما تدفع الطبقات المحرومة ثمن الفشل الصناعي والخيارات السياسية للنظام من صحتهم وأعمارهم.
أرباح الموت: مليارات الدولارات من حرق المازوت
بينما يهدد التلوث حياة الآلاف، يكشف الوجه الآخر للأزمة عن “تجارة الموت” التي تديرها مافيا الصناعات الحكومية والجهات المرتبطة بـ حرس النظام الإيراني. تشير التقارير إلى أن قطاعاً واسعاً من الصناعات الكبرى يحقق أرباحاً فلكية عبر تجاهل المعايير البيئية عمداً:
وتعتمد صناعات الفولاذ، والأسمنت، والبتروكيماويات على حرق “المازوت” الرخيص والملوث بدلاً من الوقود النظيف، وتتجنب تركيب فلاتر التنقية المكلفة. وقد أدى هذا “التوفير القاتل” إلى زيادة أرباح هذه الشركات بنسبة تتراوح بين 20% إلى 50%.

و: تواصل مافيا صناعة السيارات إنتاج مركبات تفتقر لأدنى معايير السلامة البيئية لتقليل تكاليف الإنتاج، مما يغرق الشوارع بمصادر متحركة للتلوث.
فيما تحولت واردات المازوت وتجارته إلى باب خلفي لثراء الوسطاء المتنفذين، في وقت تتجه فيه دول الجوار نحو الاستثمار في التقنيات النظيفة.
الكلفة البشرية: عندما تقتل السياسة
تترجم هذه السياسات الجشعة إلى أرقام مفزعة في سجلات الوفيات والأمراض: حيث وصلت إلي 40 ألف ضحية سنوياً: تشير التقديرات العلمية إلى أن تلوث الهواء يقتل ما يقارب أربعين ألف إيراني كل عام، وهو رقم يرقى إلى مستوى الكارثة الوطنية.فيما تتجاوز الخسائر الاقتصادية المباشرة لهذه الأزمة ثلاثة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
و: تظهر الإحصاءات أن معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي في الأحياء الفقيرة تصل إلى ضعفين ونصف مقارنة بالمناطق الثرية. كما أن معدلات دخول المستشفيات بسبب التلوث بين سكان المناطق المحرومة تصل إلى ثلاثة أضعاف نظرائهم في المناطق المرفهة.
من جانبه رأي المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إن أزمة الهواء في إيران ليست قضاءً وقدراً، بل هي جريمة منظمة. إنها تعكس أولويات نظام يفضل بقاءه السياسي ومراكمة ثروات مؤسساته الاقتصادية (مثل تلك التابعة لـ الولي الفقيه و حرس النظام الإيراني) على حساب الصحة العامة.
في هذا المشهد المظلم، أصبح التنفس امتيازاً طبقياً، وأضحى الفقراء وقوداً لمحركات الصناعة الفاسدة، مجبرين على تحمل المشقة الاقتصادية واستنشاق السموم التي تتسرب إلى كل تفاصيل حياتهم اليومية.






