ليست كلمة الثقافة وافدة على العربية كما يظن بعض الناس، بل هي من الألفاظ العربية الأصيلة الضاربة في القدم، وقد دارت معانيها في كتب اللغة حول الحذق، والفطنة، وسرعة الإدراك، والتهذيب، والتقويم.
جاء في المعاجم: ثَقِفَ الرجلُ، أي صار حاذقًا فطنًا سريع الفهم، ويقال: ثَقِفَ الشيءَ، أي أدركه وظفر به.
ومنه قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}، أي حيث وجدتموهم وأدركتموهم.
فالأصل اللغوي للكلمة يدور حول الإدراك والتمكن والمهارة، لا حول المعرفة النظرية وحدها.
ويقال أيضًا: ثَقَّفَ الشيءَ تثقيفًا، أي سوّاه وعدّله وقوّمه، ومنه ثَقَّفَ الرمح إذا قوّمه بعد اعوجاجه حتى استقام.
ومن هذا المعنى جاء مفهوم تثقيف الإنسان؛ فهو عملية تهذيب للعقل، وتقويم للفكر، وصقل للخبرة، حتى يبلغ المرء درجة من النضج والمعرفة وحسن التمييز.
ومن الطريف أن العرب أطلقوا اسم المِثْقَف على الأداة التي يُقوَّم بها الرمح، كما أطلقوا لفظ المثقَّف على القلم المبريّ المحكم الصنع، لأن البري والتقويم يمنحانه جودة الأداء.
ومن هذا الاشتقاق نشأ المعنى الحديث؛ فالمثقف هو الذي يصقل عقله كما يُبرى القلم، ويقوّم فكره كما يُقوَّم الرمح، فيزداد علمًا وحكمة وبصيرة.
ويقال أيضًا: رجلٌ ثَقِيفٌ، أي ذكيٌّ حاذقٌ سريع الإدراك، حسن التصرف فيما يعرض له من أمور، وهي دلالة تكشف أن الثقافة في أصلها اللغوي كانت صفةً للعقل قبل أن تصبح اسمًا لمجال معرفي واسع.
أما استعمال كلمة «ثقافة» مقابل اللفظة الأوروبية Culture في العصر الحديث، فيُنسب غالبًا إلى الصحفي والأديب سلامة موسى، الذي ذكر أنه استلهمها من تراث ابن خلدون، لتصبح بعد ذلك المصطلح العربي الأشهر في الفكر والأدب والاجتماع، ثم استقر استعمالها في الجامعات والصحافة والمؤسسات الثقافية في مختلف أنحاء العالم العربي.
وقبل شيوع مصطلحي الثقافة والمثقف في القرن العشرين، كانت اللغة الصحفية والأدبية تستخدم أوصافًا متعددة للدلالة على أصحاب المعرفة، مثل: المتعلم، والأفندي، والمفكر، والمتنور، والأديب، والخوجة.
غير أن كلمة الثقافة استطاعت بمرور الزمن أن تجمع هذه الدلالات في إطار واحد، فغدت المصطلح الجامع الذي يعبّر عن المعرفة والوعي والتهذيب والإبداع،
وأصبحت كلمة المثقف عنوانًا لكل من يسهم في بناء الفكر وتشكيل الوعي العام، حتى تراجعت معظم الألفاظ الأخرى أمام حضورها الواسع في الخطاب الفكري والصحفي والأدبي.


