تتسارع وتيرة تفشي وباء الكوليرا في ولاية غرب كردفان السودانية بصورة تثير القلق، وسط تحذيرات من تحول الأزمة إلى كارثة صحية واسعة النطاق في ظل ضعف البنية الصحية ونقص الإمدادات الطبية الأساسية، بينما تتزايد المخاوف من اتساع رقعة المرض مع اقتراب موسم الأمطار.
وأعلنت وزارة الصحة السودانية تسجيل 308 إصابات مؤكدة بالكوليرا و77 حالة وفاة في الولاية، في حصيلة تعكس حجم التحديات التي تواجه السلطات الصحية في احتواء الوباء، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تعاني نقصًا حادًا في الخدمات الطبية.
«فوجا».. نقطة البداية
بدأت بؤرة التفشي الأولى في منطقة «فوجا» التابعة لمحلية النهود بولاية غرب كردفان، وهي منطقة ذات إمكانات صحية محدودة، قبل أن يتحول المرض سريعًا إلى تهديد إقليمي امتد إلى عدد من القرى والمناطق المجاورة.
وخلال أسابيع قليلة، انتقلت العدوى إلى مناطق التعدين، خاصة منطقة «الرقيق»، ثم وصلت إلى قرية «جوال» شمال مدينة النهود، في مؤشر على سرعة انتشار المرض وصعوبة احتوائه في ظل ضعف الإمكانات الطبية.
قرى معزولة تواجه الوباء وحدها
وبحسب مصادر محلية، سجلت قرية جوال ست حالات وفاة، من بينها طفلة، إضافة إلى نحو 20 إصابة مؤكدة منذ بداية التفشي.
وتعاني القرية من غياب شبه كامل للخدمات الصحية، ونقص حاد في الكوادر الطبية والمحاليل الوريدية اللازمة لعلاج المرضى، ما يجعل فرص إنقاذ الحالات الحرجة محدودة للغاية.
وتؤكد شهادات الأهالي أن الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، مع غياب الدعم الطبي الكافي وعدم قدرة السكان على الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة.
انهيار الإمدادات الطبية
أحد أخطر المؤشرات المرتبطة بالأزمة يتمثل في النقص الحاد للمحاليل الوريدية التي تعد خط الدفاع الأول في علاج مرضى الكوليرا.
ووفقًا لمصادر محلية، ارتفع سعر المحلول الوريدي الواحد إلى نحو 15 ألف جنيه سوداني، ما يشكل عبئًا كبيرًا على الأسر التي تعاني أصلًا من أوضاع اقتصادية متدهورة نتيجة الحرب والأزمة الإنسانية المستمرة في البلاد.
كما تعاني المستشفيات والمراكز الصحية من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب محدودية الكوادر الصحية القادرة على التعامل مع الأعداد المتزايدة من المصابين.
استنفار رسمي لاحتواء الأزمة
وفي محاولة للحد من تفاقم الوضع، عقد وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم اجتماعًا طارئًا لمتابعة تطورات انتشار الكوليرا ومراجعة خطط الاستجابة الصحية.
وشارك في الاجتماع مسؤولون بوزارة الصحة وشركاء دوليون، حيث تمت مناقشة الوضع الوبائي الحالي وتقييم التدخلات الجارية، إلى جانب بحث المخاطر الصحية الأخرى التي قد تواجه البلاد، بما في ذلك احتمالات انتقال أمراض وبائية أخرى من دول إفريقية مجاورة.
ورغم إعلان تعافي 99 مصابًا واستمرار علاج عشرات الحالات الأخرى، فإن المسؤولين الصحيين يدركون أن التحدي الأكبر لا يزال قائمًا في المناطق البعيدة عن مراكز الخدمات.
شهادات تكشف حجم المأساة
في قرية جوال، يصف السكان المشهد بأنه معركة يومية مع المرض والموت.
ويقول أحد الأهالي إن المرض ينتشر بسرعة تفوق إمكانات المواجهة، بينما يشير آخرون إلى أن غياب الإسعاف ونقص العلاج يدفعان المرضى إلى مواجهة مصيرهم دون أي دعم فعلي.
وفي منطقة الرقيق التعدينية، تحدث عاملون عن مشاهد مؤلمة لمرضى لم يتمكنوا من الحصول على الرعاية اللازمة في الوقت المناسب بسبب بعد المسافات وغياب المستشفيات المجهزة.
موسم الأمطار يرفع درجة الخطر
تزداد المخاوف مع اقتراب موسم الخريف وهطول الأمطار، حيث تعتمد العديد من القرى على مصادر مياه غير آمنة، وهو ما يوفر بيئة مثالية لانتشار الكوليرا والأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.
ويرى خبراء الصحة العامة أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار الأزمة، خاصة إذا لم تُنفذ تدخلات عاجلة لتحسين إمدادات المياه النظيفة وتعزيز خدمات الرعاية الصحية في المناطق المتضررة.
أزمة صحية فوق أنقاض الحرب
تكشف أزمة الكوليرا في غرب كردفان حجم الضغوط التي يتعرض لها القطاع الصحي السوداني في ظل استمرار النزاع المسلح والانهيار التدريجي للخدمات الأساسية.
فبين الحرب والنزوح والفقر وتدهور البنية التحتية، يجد آلاف السكان أنفسهم في مواجهة وباء سريع الانتشار، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول الأزمة الحالية إلى واحدة من أخطر الكوارث الصحية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة إذا لم تتوافر استجابة عاجلة وفعالة من السلطات والشركاء الدوليين.






