التطورات المتلاحقة والمتسارعة في العلاقات التركية المصرية ليست حدثا مفاجئا، ولا وليد اليوم، وإنما هو حصاد “طبخة” جرى إعدادها على نار هادئة منذ سنوات، من خلال اجتماعات ـ بعضها معلن عنه ـ بين الأجهزة السيادية في البلدين، لمناقشة ملفات كثيرة، وتفكيك عقد كان من الصعب تفكيكها بعد انقلاب يوليو 2013، ثم تطور الأمر إلى مستوى أعلى من خلال الحوار بين مؤسسة الخارجية المصرية مع نظيرتها التركية، وطوال هذه السنوات كانت هناك قناعة بين الكوادر المتخصصة في الطرفين أن تحالفا استراتيجيا بين مصر وتركيا هو ضرورة لا يمكن تجاهل أهميتها للبلدين، وكانت الامارات ـ الداعم الأهم إقليميا للنظام في مصر ـ على معرفة بهذا الحوار الذي يجري بعيدا عن الأضواء، وحاولت الضغط على مصر لوقفه، أو التهرب من استحقاقاته، ودفعت بالقيادة المصرية إلى اتخاذ إجراءات معاكسة تماما لما توصل إليه خبراء الخارجية والاستخبارات في البلدين، ومن ذلك دخول مصر في تنسيق أمني وعسكري مع اليونان وقبرص وإسرائيل في شرق المتوسط، رغم أن هذا التحالف يضر جدا بالأمن القومي المصري، ويضر بمصالح مصر الاقتصادية وحقوقها في غاز المتوسط.
غير أن التغول الإماراتي في مناطق تبدو كما لو كانت حصارا لمصر، ودعمها لقوى لا تحمل لمصر ودا، بل تهدد أمنها القومي، في السودان وأثيوبيا والصومال وأيضا في توظيف خليفة حفتر لخدمة مشروعاتها في السودان، أجبر القيادة المصرية على إعادة النظر، واحترام كلمة الخبراء المصريين في مؤسستي الاستخبارات والخارجية، بأن تركيا هي الشريك الاستراتيجي الأهم لمصر في المنطقة، فعاد التنسيق مع تركيا بقوة، ووصلت الأمور إلى حد فتح القواعد الجوية المصرية جنوب البلاد للطيران العسكري التركي لمساعدة الجيش السوداني في معركته لوقف المشروع الانفصالي المدعوم إماراتيا، وجرى تبادل الزيارات بين الرؤساء في كل من القاهرة وأنقره، حتى وصلنا إلى زيارة اردوغان الأخيرة قبل يومين للقاهرة، والتي حظي فيها باستقبال أسطوري، وقفت أمامه الصحافة التركية مذهولة من ضخامته، ومن دلالاته أيضا، وهو يؤشر بوضوح على أن القاهرة حسمت خيارها، وقررت الانفتاح الكامل على تركيا، عسكريا واقتصاديا وأمنيا.
حزمة الاتفاقيات التي جرى توقيعها في القاهرة في زيارة اردوغان الأخيرة، لم تكن من قبيل الأعمال البروتوكولية، أو الاستعراضية، وإنما هي اتفاقيات تمس عصب الدولة، في التسليح والصناعات الدفاعية ودعم الجيش، كما في دعم الاقتصاد المصري المنهك، خاصة وأن تركيا شريك “يبني” ولا ينتهز أو يخطف، فتركيا ليست معنية باختطاف شواطئ مصرية أو شراء منشآت أو معالم مصرية، وإنما هي تبني مصانع وشركات، أي أدوات إنتاج وتصنيع وتصدير، وهذا هو الأهم للاقتصاد المصري بكل تأكيد.
الشراكة المصرية التركية تبدو مقلقة بطبيعة الحال لإسرائيل، وقد تناقلت وسائل الإعلام أمس تصريحات نتانياهو عن قلقه من تنامي قدرات الجيش المصري، كما نقلوا عن خبراء عسكريين إسرائيليين تحذيرهم من أن إسرائيل تواجه في المستقبل خطرين كبيرين وهما : تركيا ومصر، لأن تعميق الشراكة بين البلدين يعني وجود ثقل عسكري وأمني وبشري في المنطقة يعيد تشكيل حساباتها وموازين القوة فيها، وبدون أدنى شك إسرائيل الخاسرة في ذلك.
تبقى هناك “عقدة” ستظل منغصة على هذا التوافق التركي المصري، وهي متصلة بوجود أكبر كتلة سياسية مصرية معارضة لنظام السيسي في تركيا، قيادات من الإخوان المسلمين، وأعضاء برلمانيين سابقين، ووزراء سابقين، وشخصيات إعلامية وغيرهم، وكانت تلك الكتلة سببا أساسيا في التوتر الذي شهدته علاقات البلدين خلال العقد الماضي، وتقليص الوجود الديبلوماسي، وفرض إجراءات أمنية مشددة على السفر بين البلدين، ورغم أن الحوارات المتصلة بين الدولتين بعد ذلك عملت على “تهميش” هذا التحدي، بما لا يجعله عائقا في سبيل تطور العلاقة وصولا إلى شراكة استراتيجية، إلا أنه في ظل “الشخصانية” التي تتصف بها القيادة المصرية، ستظل هذه “العقدة” مهددة لعمق واستقرار هذه الشراكة، ما لم يتمكن الطرفان من إيجاد حل نهائي لها، فما هي السيناريوهات المحتملة لمعالجتها ؟.
يُتبع


