يقع العامل للإسلام في إشكالية عندما تتبدى له مسؤوليات مختلفة أسرية وشخصية وتتطلب منه تلك المسؤوليات المزيد من بذل الجهد للعمل الدنيوي على حساب ما يقوم به من عمل خيري
وربما تتبدى تلك المشكلة أكثر فأكثر عندما يستقبل الداعية أطوارا جديدة من حياته فبعد أن كان مشغولا بدراسته فقط فإنه يطالب بعد ذلك بالعمل وتكوين أسرة وكل ذلك يتطلب وقتا يكون غالبا على حساب ما تحمله من أعمال الخير والبر
وبداية نشير إلى أنه بالكسب يتمكن من أداء أنواع الطاعات : من الجهاد والحج والصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الأقارب والأجانب ؛ وفي التفرغ للعبادة لا يتمكن إلا من أداء بعض الأنواع كالصوم والصلاة ؛ ونذكر بأن الأنبياء والرسل ما اشتغلوا بالكسب في عامة الأوقات ولا يخفي على أحد أن اشتغالهم بالعبادة في عمرهم كان أكثر من اشتغالهم بالكسب ؛ ومعلوم أنهم كانوا يختارون لأنفسهم أعلى الدرجات ولا شك أن أعلى مناهج الدين طريق المرسلين عليهم السلام ؛ وكذا الناس في العادة إذا أحرجهم أمر وحل بهم بلاء يحتاجون إلى دفعه عن أنفسهم : يشتغلون بالعبادات لا بالكسب و المرء إنما ينال أعلى الدرجات بمنع النفس هواها قال الله تعالى ونهى النفس عن الهوى الآية. والاشتغال بهذه الصفة في الانتهاء والدوام في العبادات بحيث لا يهمل المسلم كسبه فهو لا ينخرط فيه ناسيا العمل الخيري والعبادة والذكر وكذا إن كان في العبادة ما يحقق به النفع لغيره كان ذلك أولى وأحب إلى الله تعالى.
عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم “مَنْ نَفّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مَنْ كُرَبِ الدّنْيَا نَفّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ سَتَرَ مُسْلِمَاً سَتَرَهُ الله فِي الدّنْيَا والآخرة، وَمَنْ يَسّر عَلَى مُعْسِرٍ، يَسّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدّنْيَا والآخرة، والله فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيِه، وَمَنْ سَلَكَ طَريقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إلى الْجَنّةِ، وَمَا قَعَدَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيتدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلاّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السّكِينَةُ، وَغَشِيتْهُمْ الرّحْمَةُ، وَحَفّتْهُمْ المَلاَئِكَةُ، وَمَنْ أَبْطأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)رواه الترمذي ( 3023)
فالتوازن بين المصالح الخيرية المتعددة مطلوب وهو من باب اختبار العبد فهل سينجح في الاختبار؟
يجب علينا أن ننتزع من كل وضع نكون فيه ما ينفعنا عند ربنا سبحانه وتعلى وكل ذلك يلفت نظرنا إلى التزود دوما من الفراغ والصحة فكلاهما نعمة أشار إليها رسول الله ويغفل عنهما كثير من الناس فلو استغل المرء فراغه ليكون عاملا فيجري أجره عليه وقت شغله لكان له من ذلك كل الخير
وفقنا الله تعالى لما يحبه ويرضاه







