لم تكن قضية جيفري إبستين -في تقديري- مجرد ملف أخلاقي يتعلّق بانحرافات جنسية مدانة بكل المقاييس، بل بدت أقرب إلى نافذة صغيرة فُتحت على منظومة أعقد وأخطر، منظومة سيطرة وتحكّم، لا يمكن لعقلٍ راشد أن يصدّق أنها صُنعت بجهد فرد واحد، مهما بلغت دهاؤه، أو بعدد محدود من المساعدين.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: كيف لشخص واحد أن يُدير شبكة بهذا الاتساع، تُنتج ملايين الصفحات وآلاف المواد المصوّرة، وتمتد خيوطها إلى السياسة والاقتصاد والإعلام والفن داخل الولايات المتحدة وخارجها؟
إن العقل التحليلي يرفض اختزال هذا كله في «شذوذ شخصي» أو «نزوة إجرامية» معزولة. ما أظهرت للعلن -انحرافات فجة- قد لا يكون هذا إلا رأس جبل الجليد، يخفي تحته ما هو أعمق خسة وأكثر تنظيمًا في الفساد والسيطرة والتحكم العالمي
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة حول الانتماءات المحتملة أو مظلات الحماية التي أحاطت بإبستين:
هل كان مرتبطًا بجهة استخباراتية ما؟
إسرائيل أم روسيا أم غيرهما؟ أم أن الأمر يتجاوز دولة بعينها إلى شبكة مصالح دولية؟
ولماذا لم تُفتح ملفاته إلا بقدرٍ مدروس داخل الولايات المتحدة، بما يوحي بأن هناك ما يُحرج منظومات أكبر، وربما يثير شكوكًا حول اختراقات داخل البنية الأمريكية نفسها؟
وللتأمل، حين انحرف جهاز مخابرات (صلاح نصر) في دولة كمصر في حقبة سابقة عبر وقائع معروفة لإغواء بعض الفنانات، للسيطرة على شخصيات عامة وحكام دول لم تتجاوز المواد الموثّقة عشرات المقاطع، رغم أن خلف ذلك إمكانات دولة كاملة.
فكيف نقارن ذلك بما نُسب لإبستين من أرشيف هائل، إن صحّ، من مواد ضغط وتوثيق؟ المقارنة وحدها كاشفة لعدم التناسب، وللاستحالة العملية أن يكون الأمر جهدًا فرديًا محضًا او جماعيا محدودا.
إن التحليل الذي أراه أقرب للمنطق هو أن منظومة كاملة ــ دولة أو جهازًا كبيرًا أو تحالف مصالح ــ قد أُديرت بموافقة من باعوا ضمائرهم، حيث جرى توثيق “اتفاقات” مع راغبين، وبمحض إرادتهم، من اجل دعمهم للوصول الى قمة هرم تخصصهم أو حفاظًا على مكاسب أو طلبًا لدعم قوى نافذة وبشكل يعرفون ان السبل الرسمية للوصول لتلك الأهداف هو أمر بعيد عن قدراتهم فهنا يأتي حلال العقد ابستين لينجز المأمول نظير ضمانات يطلبها لتنفيذ المتطلبات
ستجعلك رئيسا لكن في مقابل ان تنفذ المهام التالية وسوف تخضع لسيطرتنا بكافة سبل التعهد والتي من ضمنها ان نسجل عليك ما يشينك فلا نستخدمه الا لو خالفتنا
في هذه الحالة لم يكن الأمر غفلة، بل اختيارًا واعيًا لدى بعضهم، فصاروا أسرى للضغط والابتزاز لاحقًا.
وهذا يفسّر تنوع المجالات المستهدفة والأشخاص المتورطة: سياسيون، واقتصاديون، إعلاميون، فنانون، داخل أمريكا وخارجها، ومن بينهم عرب وغير عرب. شبكة ضغط لا تهدف إلى الفضيحة لذاتها، بل إلى التحكّم واستدامة النفوذ. ولعل إبستين نفسه لم يكن سوى واجهة أو “أداة” تحظى بالحماية ما دامت تؤدي دورها.
وفي مقابل هذا النموذج القاتم، يحق لنا أن نقارن بملمح حضاري مختلف؛ فالحضارة الإسلامية، حين كانت في أوجها، أنتجت منظومات معاملات أكثر عقلانية وأخلاقية، تقوم على ضبط الشهوة بالقيم، والسلطة بالمسؤولية، ولا تتورط في تلك الممارسات على الاطلاق
بخلاف ما أفرزته حداثة العلمانية حين انفصلت عن أي رادع أخلاقي جامع.
ولا يمكن في إطار التفكير وتقليب التأمل إغفال دور الجماعات الباطنية والماسونية ــ بوصفها أطُرًا فكرية للسرية والنخبوية ــ في تغذية تصورات السيطرة والتحكّم، دون الجزم أو الاتهام، بل بوضعها في سياق التساؤل والتحليل.
وبكل الأحوال لا يبرر هذا الطرح أية جريمة قام بها الذين تم تصويرهم او الذين تحكم فيهم هذا المجرم لأنهم فعلوا ذلك باختيارهم اما طمعا او ضلالا وليس جبرا
إلا ما قد يكون من شأن القاصرات بديهي انهن -وانهم- قد تم الضغط عليهم واكراههم
إن قضية إبستين لم تنتهِ، ولم تُحكَ كاملة. وما كُشف قد يكون أقل بكثير مما أُخفي. والواجب على الصحافة الحرة والعقل النقدي ألا يكتفيا بسرد الفضيحة، بل أن يسألا عن المنظومة التي سمحت لها أن تنمو، وعن العالم الذي يجعل من الرذيلة أداة حكم، ومن الإنسان مادة ابتزاز. ففي تلك الأسئلة وحدها يبدأ الاقتراب من الحقيقة.







