يمر الاقتصاد العراقي بأحد أعقد المنعطفات الهيكلية في تاريخه المعاصر، بعد أن تداخلت الأزمات الجيوسياسية الإقليمية لتصيب الركيزة الأساسية لتمويل الموازنة العامة، مما وضع استقرار البلاد المالي والاجتماعي على المحك.
وتلقى قطاع الطاقة العراقي ضربة قاصمة إثر تصاعد الحرب الامريكية الايرانية في مياه الخليج، مما أدى إلى توقف شبه كامل لصادرات الخام من موانئ البصرة بنسبة بلغت نحو 85%؛ هذا العجز اللوجستي الناجم عن إغلاق مضيق هرمز حرم الخزينة العامة من تدفقات النقد الأجنبي الضرورية لإيقاف نزيف الموازنة.
نزيف الملايين اليومي
ترجمت الأسواق اللوجستية هذا الشلل البحري إلى نزيف مالي مباشر وقاسٍ؛ إذ يواجه العراق خسائر يومية تقارب 300 مليون دولار جراء تعطل ناقلات النفط في الخليج، مما يهدد بجفاف الاحتياطيات النقدية لدى البنك المركزي بوتيرة غير مسبوقة.
إنذار انكماش السبعة بالمئة
تحولت تحذيرات صندوق النقد الدولي من أرقام افتراضية إلى واقع مرير؛ حيث تشير التوقعات الرسمية إلى انكماش مرعب في الناتج المحلي الإجمالي للعراق يصل إلى نحو 7%، مدفوعاً بجمود القطاع النفطي الذي يمثل العمود الفقري للموازنة.
مقصلة الرواتب لثمانية ملايين
وضعت هذه الخسائر الفادحة الحكومة العراقية الجديدة في مواجهة مباشرة مع الشارع؛ حيث بات تأمين لقمة العيش وتوفير رواتب ومستحقات حوالي 8 ملايين موظف ومتقاعد ومستفيد من الرعاية الاجتماعية شبحاً يومياً يؤرق صانع القرار في غياب موازنة عامة مستقرة.
تغول السوق الموازية للعملة
تزامناً مع شح تدفقات الدولار النفطي، تفاقمت أزمة الصرف مع صعود متوحش للسوق الموازية لبيع العملات الأجنبية، والتي التهمت القوة الشرائية للدينار العراقي، وعمقت معدلات التضخم لتضرب القوة الشرائية للمواطنين في الصميم.
وأجبر الخناق المالي بغداد على قيادة حراك دبلوماسي عاجل؛ حيث أكد مسؤولون عراقيون تحركهم السريع نحو البنك الدولي لتفعيل أدوات التمويل الطارئة وبرامج الصرف السريع مسبقة الترتيب، للاستفادة من خيارات الاستجابة السريعة وتوفير سيولة إنقاذ عاجلة.
الهروب إلى الموانئ البديلة
لوجستياً، شرعت الدوائر التجارية العراقية في دراسة بدائل شحن برية وبحرية طارئة للالتفاف على شلل الخليج؛ إذ برزت مصافي “جبل علي” بالإمارات والممرات البرية الناشئة عبر باكستان وميناء غوادر كخطوط إغاثة تجارية مؤقتة لتأمين تدفق السلع الأساسية والمكررة إلى الأسواق المحلية.
ريع نفطى احادى
يبدو ان الانتاج العراقي التاريخي من الريع النفطي الأحادي قد تحول إلى نقطة ضعف قاتلة أمام حروب الممرات؛ ومع استمرار تعطل شريان البصرة عبر مضيق هرمز، لا تبدو القروض الطارئة للبنك الدولي سوى مسكنات موقتة.
ويفرض ذلك على الحكومة معالجة جذرية لملف الموارد وبناء ممرات تصديرية بديلة، قبل أن يتحول العجز النفطي إلى انفجار اجتماعي يعصف بالاستقرار السياسي الداخلي.







