اتصلت بأخي الكريم محمد نعيم الكراتشوي وقلت له: أريد أن أزور مدرسة بيت السلام التي تبعد عن المدينة بعض الشيء. فقال: الذهاب إلى هناك يحتاج إلى سيارة خاصة. واتصل بزميلنا الآخر الشيخ محمد آصف، الذي هو من زملائي القدامى وكانت لديه سيارة، فجاءا بالسيارة وأخذاني إلى جامعة بيت السلام.
وفي الطريق إلى المدرسة، ناقشنا أمورًا متنوعة وأحيينا ذكريات الماضي الجميلة التي كنا نقضيها قبل أكثر من عقد.
وصلنا إلى مدرسة بيت السلام بعد ساعة، أبهرني منظرها الجميل الرائق. وقد تقدمت المدرسة كثيرًا في المباني الشاهقة والحدائق الجميلة وكثر عدد الطلاب الذين جاؤوا من أماكن شتى لتلقي العلم.
وكان زميلنا الفاضل الكريم الشيخ أبو حسان عبد الرشيد ينتظرنا، وقد استقبلنا استقبالًا حارًا. ذهبنا في البداية إلى مكتبه، وناقشنا أمور الجامعة والأعمال التي يتولاها، فأعجبتني أعماله العظيمة التي يقوم بها، ومثل هؤلاء قليلون. وهو، ما شاء الله، له يد طولى في ميدان التأليف أيضًا.
بعد المغرب، جلسنا مع أساتذة الجامعة وناقشنا أمورًا متنوعة، ومنها المنهج التعليمي الرائج في وفاق المدارس الدينية.
وكان بعض الإخوة قد سافر إلى إيران وأبدى إعجابه الشديد بالإيرانيين ودماثة أخلاقهم وإكرامهم للضيف.
فقلت لهم: إن إيران دولة عريقة، وشعبها شعب متمسك ومتدين وموحد رغم المكونات المذهبية والعرقيات المختلفة. وللحكومة الحالية فضل كبير في هذا التوحيد.
كلمتي في مدرسة بيت السلام
طلب مني الشيخ أبو حسان والشيخ مبشر، عميد شؤون التعليم، أن ألقي كلمة للطلاب بعد صلاة العشاء مباشرة، فلبيت طلبهم وتحدثت عن أهمية اللغة العربية ومطالعة الكتب الأدبية والفكرية، وكيفية مطالعة الكتب والانتفاع بها، وما إلى ذلك. وطرحت بعد المحاضرة أسئلة من الطلاب، أجبت عنها حسب استطاعتي.
بعد تناول العشاء، غادرنا بيت السلام إلى جامعة الرشيد، وكانت ليلة حلوة مع أصدقاء محبين.
بحرية تاون
في الطريق إلى جامعة الرشيد، لفتت نظري لافتة مكتوب عليها “بحرية تاون”، فقلت للإخوة: ما هذا؟ قالوا: إن هذه مدينة حديثة بُنيت على طراز حديث بجوار مدينة كراتشي، وتعد من أجمل المدن في باكستان.
وكانت هذه المدينة قريبة من الطريق السريع، فقلت: ما رأيكم أن نجول جولة خاطفة فيها؟ فوافق الإخوة، وقد مشينا بالسيارة، فأعجبني منظرها الجميل الأنيق، وكأني دخلت مدينة أوروبية.
تتميز بالحدائق الجميلة والشوارع الواسعة والمباني الرائعة وناطحات السحاب. ويوجد فيها مسجد أنيق فاخر، قيل إنه يعد أحد أكبر المساجد في العالم، ولكنه كان قيد البناء.
أعجبت بهذه المدينة الجميلة، وما كنت أتخيل أن تكون في هذه المنطقة مدينة جميلة كهذه، ومدن باكستان، مع الأسف، لا تتميز بالجمال والنظافة والأناقة.
في جامعة دار العلوم كراتشي
كانت من كبرى أمنياتي في هذا السفر أن أزور جامعة دار العلوم كراتشي التي تخرجت فيها، والتي لا أستطيع إيفاء فضلها على تربيتي وتثقيفي.
وأكبر من ذلك، أن أتشرف بزيارة شيخ مشايخنا ونادرة الزمان العلامة المحدث الشيخ محمد تقي العثماني، حفظه الله. ومن المعلوم أن زيارته في هذه الأيام صعبة للغاية.
فاتصلت بزميلي الفاضل الأديب الأريب الشيخ عبد الوهاب الديروي، مسؤول مكتب الشيخ، فقال لي: تعالَ يوم الأحد بعد صلاة الظهر مباشرة. فغادرت جامعة الرشيد صباح اليوم التالي إلى دار العلوم.
أوقفوني عند البوابة، فقلت: أنا متخرج من هذه الجامعة وأريد زيارة الأساتذة. فقال البواب كالمستهزئ: قد فات أوان الزيارة! ولا يمكن لك الدخول إلا إذا كان يعرفك أحد من الطلاب.
فساءني ذلك، واتصلت بأحد زملائي فجاؤوا وشفعوا لي. ولكن عندما دخلت الجامعة، قيل لي: لا يمكن لك البقاء في هذه الجامعة إلا بعد التأكد من قبل عمادة شؤون التعليم بأنك متخرج من هذه الجامعة.
فذهبنا إلى شؤون التعليم، وبعد أن وجدوا اسمي، قالوا: اسمك لا يطابق الاسم الموجود في القائمة، لذلك لا يمكن لنا أن نتأكد…
فقلت: لا بأس! قال لي بعض الإخوة: نذهب إلى فضيلة الشيخ عزيز الرحمن، حفظه الله، ليشفع لك. فقلت: لا حاجة.
على كل حال، هذه المعاملة الباردة مع المتخرجين، في رأيي، ليست صائبة، وينبغي إعادة النظر، وإلا سينقطع هذا الخيط الذي يربط بين الأساتذة والمتخرجين، وهذا ربما يترك أثرًا سيئًا.
ولعل هناك مصالح خاصة لا أعرفها. إلا أن جامعة الرشيد تحتضن طلابها ومتخرجيها وتتفقدهم.
زيارة العلامة المفتي محمد تقي حفظه الله
زرت الشيخ الديروي حسب الموعد بعد صلاة الظهر مباشرة، ولحسن الحظ كان سماحة شيخنا متواجدًا في مكتبه. أشكر سماحة الشيخ الديروي الذي رتب لي هذه الزيارة.
كان الشيخ، حفظه الله، منهمكًا بمطالعة بعض التقارير المتعلقة بالجامعة، ثم قرأ رسالة من أحد المريدين ووجه إليه نصائح نفيسة، مؤكدًا له ألا يكثر من استخدام الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وإن لم يتمكن من ضبط نفسه فعليه تركها نهائيًا، لأن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة. ولقد انتفعت، ولله الحمد، من هذه النصائح القيمة.
كنت أتأمل في وجه هذا العالم الرباني الذي يذكرك بأهل التقوى والصلاح، فيبعث فيك القوة والنشاط.
سأله أحد المريدين عن صحته، فقال: “الحمد لله، لا أعاني من أي مرض سوى داء الشيخوخة”. رأيت فيه همة الشباب وقوة الفتيان. رحب بي وسأل عن دار العلوم والأنشطة العلمية التي تقام هناك.
كانت تلك الدقائق التي قضيتها مع شيخنا من أجمل لحظات حياتي. كيف لا، وشخصية كهذه يكفي أن تنظر إلى وجهها فتحيا من جديد وتنبعث فيك روح جديدة. وحقًا، تعجز الكلمات عن وصف هذه الشخصية النادرة.
ناقشت الأخ الديروي في بعض القضايا، وكان من النشطين والمتحمسين. أردت أن أطيل الجلوس معه وأناقشه في بعض الأمور، لكن ظروفه لم تسمح، ولعله كان مشغولًا ببعض أعماله.
زيارة فضيلة العلامة الشيخ عزيز الرحمن
وممن كنت أتوق إلى زيارته في الجامعة فضيلة العلامة الشيخ عزيز الرحمن. ولله الحمد، حظيت بزيارته بعد صلاة العصر.
رحب بي وسأل عن أنشطتي، فأخبرته فسرَّ بذلك ودعا لي. ورغم ضعف صحته، فقد كان منفتحًا جدًا وناقشني في بعض الأمور، فكانت زيارة مباركة، ولله الحمد.
زيارة قبور الأساتذة الراحلين
زرت قبور أساتذة الجامعة. يا سبحان الله، كثير ممن تلمذت على أيديهم انتقلوا إلى رحمة الله، وناموا نومة الأبرار. حقًا، إنهم عظماء التاريخ! ولن أنسى فضلهم في حياتي.
مع الإخوة المحبين
بعد العصر، جلست مع بعض الإخوة في حديقة الجامعة، وتناولنا الحليب بالشاي مع الكعك. قلت لهم: “وجودكم في جامعة مثل دار العلوم لا يكفي، بل ينبغي عليكم المطالعة والمشاركة في الأنشطة العلمية المتنوعة”.
وضربت لهم مثالًا بالأستاذ القاسمي، حفظه الله، الذي كان في هذه الجامعة مدرسة فكرية وعلمية وثقافية ودعوية، ينفع وينتفع.
وقلت لهم: الاكتفاء بالمنهج الدراسي وحده لن يجعلكم متميزين في المستقبل، فاغتنموا هذه البيئة المباركة لتنمية مواهبكم ورفع مستواكم العلمي والفكري.
وصف جامعة دار العلوم
كان العلامة الراحل المفتي محمد رفيع، رحمه الله، – نجل العلامة الراحل المفتي محمد شفيع رحمه الله، ومدير هذه الجامعة سابقا، والمفتي الأعظم في هذه الديار – يصف دار العلوم بأنها جنة الأرض. وحقًا، إنها تستحق هذا الوصف.
كل من يدخلها يشعر بالطمأنينة والسكينة، ويبهره جمالها وحدائقها وشوارعها ومبانيها الشامخة. ينعم كل زائر بنفحة روحانية عجيبة، فعندما يدخلها يشعر كأنه دخل روضة من رياض الجنة. دار العلوم، يا لها من دار!
أُضيفت إلى الجامعة مبانٍ جديدة للسكن والطعام والدروس العصرية، والجامعة معروفة بمبانيها الأنيقة الجميلة وحدائقها الواسعة.
ميزة دار العلوم أنها تمسك بالقديم تمسكًا قويًا دون إهمال الجديد، وتتسم بالاعتدال والوسطية في جميع القضايا، وهذا ما جعلها محبوبة لدى مختلف الأطياف رغم اختلاف مشاربهم ومسالكهم.
مزاجها الاعتدالي يجعل خريجيها يتفاعلون مع الأحداث والقضايا المستجدة ببصيرة وحكمة.
وللجامعة دور كبير في تثقيف الشعب الباكستاني ورفع مستواهم الفكري والعلمي والمعنوي، ولله الحمد.
وقد لعبت دورًا بارزًا في توحيد الصفوف في دولة تعج بالأفكار المتضاربة والمنظمات المتقاتلة.
يتواصل…


