في خضمّ الحرب الدائرة اليوم، يخرج علينا بعض المدافعين عن إيران ومحورها بخطابٍ يتكرر كثيرًا، مفاده أن من يقف ضد إيران إنما يفعل ذلك بدافع العاطفة والانفعال، لا بدافع العقل أو التحليل. بل إنهم يذهبون أبعد من ذلك، فيتهمون خصوم إيران بأنهم ينساقون وراء المشاعر دون إدراكٍ لحسابات السياسة أو موازين القوى.
غير أن هذا الاتهام في حقيقته يكشف عن خللٍ في فهم طبيعة الموقف، بل وربما عن محاولة لتبسيط قضية مركبة تختلط فيها العقيدة بالتاريخ، والاستراتيجية بالسياسة، والواقع بالمستقبل.
أولًا: حتى لو كان في الأمر عاطفة… فذلك حق مشروع
بدايةً، لا ينبغي أن تُصوَّر العاطفة وكأنها نقيصة مطلقة. فالأمم الحية تتحرك بالعاطفة بقدر ما تتحرك بالعقل.
والعاطفة تجاه الدين، أو تجاه الأمة، أو تجاه دماء المسلمين، ليست أمرًا مذمومًا في ذاته.
فلو افترضنا -جدلًا- أن موقفنا من إيران يحمل شيئًا من العاطفة، فليس في ذلك ما يُستنكر.
لأن العاطفة التي تنبع من الانتماء العقدي ومن الشعور بالمسؤولية تجاه الأمة ليست ضعفًا، بل هي في كثير من الأحيان وقود المواقف الكبرى في التاريخ.
لكن الحقيقة أن اختزال الموقف في “العاطفة” وحدها هو تبسيط مخلّ، لأن معارضة المشروع الإيراني تقوم في جوهرها على أسسٍ أعمق بكثير.
انيًا: البعد العقدي… مسألة ولاء وبراء
الموقف من إيران عند كثير من أهل السنة ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو في أساسه موقف عقدي يتصل بمفهوم الولاء والبراء في الإسلام، وهو من أعظم عرى الدين.
فالقضية هنا ليست مجرد خلاف سياسي أو تنافس إقليمي، بل تتعلق بمشروعٍ مذهبيٍّ توسعي يقوم على أساس عقدي مغاير، ويسعى منذ عقود إلى بسط نفوذه في قلب العالم الإسلامي عبر أدوات متعددة: سياسية، وعسكرية، وأمنية، وفكرية.
ومن هنا، فإن النظر إلى هذا المشروع من زاوية عقدية ليس انفعالًا عاطفيًا، بل قراءة لطبيعته الفكرية والجذور التي يقوم عليها.
ثالثًا: البعد التاريخي… دروس لا ينبغي تجاهلها
نصيحتي لكل من يدافع عن إيران أن يقرأ التاريخ، لا قراءة سطحية، بل قراءة تحليلية تستخرج العبر والسنن.
فالتاريخ يعلمنا أن المشاريع الإمبراطورية لا تتحرك بالشعارات، بل بالمصالح العميقة.
والتحالفات في عالم السياسة ليست ثابتة، بل تتغير تبعًا لموازين القوة.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول والمشاريع السياسية لا تتحرك دائمًا وفق الشعارات التي ترفعها، بل وفق مصالحها العميقة.
وكثيرًا ما تتحالف القوى المتصارعة اليوم مع خصوم الأمس إذا اقتضت مصالحها ذلك.
ولهذا فإن قراءة المسار التاريخي للمشروع الإيراني -منذ قيام الدولة الصفوية وحتى الجمهورية الإيرانية المعاصرة- تكشف بوضوح أن البعد المذهبي والسياسي كان دائمًا عنصرًا حاكمًا في سياساته الإقليمية.
رابعًا: البعد الاستراتيجي… قراءة للمستقبل لا للحظة الراهنة
التحليل الاستراتيجي لا يقف عند اللحظة الحالية، بل ينظر إلى مآلات الصراع.
فالدول عندما تضعف قد تعيد تشكيل تحالفاتها بصورة مفاجئة. ومن هنا فإن من الخطأ تصور أن الاصطفافات الحالية ستبقى ثابتة إلى الأبد.
وسيأتي وقت عندما يطول الصراع وتضعف إيران لتتحالف فيه مع الهند (الهندوس والبوذيين) لقتال أهل السنة.. فماذا سيكون موقفك وقتها وتبريرك. ولذلك فإن قراءة المشاريع السياسية يجب أن تتم من خلال طبيعتها البنيوية ومصالحها الاستراتيجية، لا من خلال تحالفاتها المؤقتة.
خامسًا: لماذا يُطلب منا تجاهل كل هذه الأبعاد!!!
السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هنا هو:
لماذا يُطلب منّا أن نتجاهل كل هذه الأبعاد -العقدية، والتاريخية، والاستراتيجية والسياسية والعسكرية والفكرية- وأن نحصر رؤيتنا في زاوية ضيقة تفرضها لحظة سياسية عابرة؟
لماذا يُراد لنا أن نترك هذا الفضاء الواسع من التحليل وأن ننزل إلى قراءة أحادية تختزل القضية في موقفٍ ظرفي أو في معركةٍ محددة؟
مثله كمن يترك الفضاء الفسيح ويصر على الدخول في جحر ضب…
إن التفكير الاستراتيجي الحقيقي لا يقبل هذا الاختزال.
ختامًا:
إن موقف كثير من المسلمين من المشروع الإيراني ليس مجرد انفعال عاطفي، كما يصوره بعض المدافعين عنه، بل هو نتاج قراءة متعددة الأبعاد:
قراءة عقدية وتاريخية وسياسية وعسكرية واستراتيجية.
ومن حق أي أمة أن تقرأ المشاريع المحيطة بها بهذه الطريقة الشاملة، وأن تحدد مواقفها بناءً على فهم عميق لطبيعة تلك المشاريع.
أما اختزال هذا كله في تهمة “العاطفة”، فليس تحليلًا بقدر ما هو محاولة لتجنب مواجهة الأسئلة الكبرى.
ونسأل الله أن يهدينا جميعًا إلى الصواب، وأن يبصر الأمة بحقائق واقعها وحقيقة أعدائها وتحديات مستقبلها.


