كانت تونس محور خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ففي مقتطف من مقابلته الدورية مع وسائل الإعلام الجزائرية التي بُثت مساء الاثنين، وجّه رئيس الدولة تحذيراً شديد اللهجة لأي منظمة أو جهة تحاول استخدام الإرهاب ضد تونس، مؤكداً بذلك على التضامن الأمني بين الجزائر وتونس.
“من أراد جلب الإرهاب إلى تونس أو تهديدها به، فسندمر خيمة والديه”، هكذا صرّح عبد المجيد تبون. وراء هذه العبارة الجزائرية الشهيرة رسالةٌ واضحة لا لبس فيها: الجزائر تعد بردٍّ حازمٍ لا هوادة فيه على أي محاولة لزعزعة استقرار جارتها الشرقية.
ووفقاً له، “يريد البعض زعزعة استقرار تونس من أجل مهاجمة الجزائر، ومن يهاجم أمن تونس يهاجم أمن الجزائر”.
“أستطيع أن أقول لكم شيئاً واحداً (…)، ويمكن للجزائريين أن يفخروا به: بلادهم لن تؤذي جيرانها أبداً”، هذا ما أكده رئيس الجمهورية خلال مقابلته الدورية مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، والتي بُثت مساء الاثنين.
وأوضح كذلك أن الإرهاب لم يكن “إرثاً” في أفريقيا، ولا “أمراً لا مفر منه”، مؤكداً أن هذه الظاهرة نشأت في أفريقيا.
وفي هذا الصدد، أكد أن “أولئك الذين خلقوا الإرهاب وشركائهم هم أنفسهم الذين يدّعون رغبتهم في مساعدة الماليين على حل مشكلة الإرهاب”، مشدداً على روابط الأخوة وحسن الجوار التي كانت قائمة لقرون بين الجزائر ومالي.
وتطرق رئيس الجمهورية أيضاً إلى ما أسماه التهديد الإرهابي الذي يواجه تونس اليوم، قائلاً: “إنهم يريدون زعزعة استقرار تونس بسبب الجزائر، ويريدون عزلها عنها لتكون فريسة سهلة، ولن نسمح لهم بذلك”. وأضاف الرئيس: “كل من يعتدي على تونس يعتدي علينا”.
كما ركز على استعداد الجزائر للمساهمة في حل عدد من “المشاكل” في الشرق الأوسط، موضحاً أن الجزائر في نفس وضع دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية، مشيراً مع ذلك إلى أن “دولة صغيرة” لا تزال تخلق اضطرابات في بعض البلدان.
يتشارك الجزائر وتونس حدوداً تمتد لما يقارب ألف كيلومتر، جزء كبير منها جبلي، وقد شكل ملاذاً لجماعات تابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ولاحقاً لمنظمات مسلحة أخرى. وبعد الهجمات التي ضربت تونس بين عامي 2013 و2016، تعزز التعاون الأمني بين تونس والجزائر بشكل ملحوظ من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية المستمر، والدوريات المنسقة، والعمليات العسكرية المشتركة في المناطق الحدودية.
يأتي تدخل الرئيس الجزائري في وقت يشهد فيه الوضع الأمني في منطقة الساحل تدهوراً مستمراً. وتُؤجّج الانقلابات المتتالية، وانسحاب العديد من القوات الغربية، وتقدم الجماعات المسلحة في مناطق معينة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، المخاوف لدى دول شمال أفريقيا.
دون تسمية جهة فاعلة بعينها، ألمح تبون بوضوح إلى أن أي استغلال للإرهاب ضد تونس سيشكل خطاً أحمر بالنسبة للجزائر. وتأتي تصريحاته أيضاً في سياق تُشدد فيه السلطات الجزائرية بشكل متزايد على ضرورة الحفاظ على استقرار حدودها وحدود جيرانها المباشرين.
وفي سياق آخر، رحب رئيس الجمهورية بجودة العلاقات مع الدول الأوروبية، والتي وصفها بأنها “طبيعية”، مع التذكير بضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة التي تربط الجزائر بالاتحاد الأوروبي.
علاقة استراتيجية تعززت منذ عام 2021
منذ أن تولى قيس سعيد السلطة بعد 25 يوليو 2021، أصبحت العلاقات بين تونس والجزائر أكثر تقارباً بشكل ملحوظ.
ازدادت الزيارات الثنائية، وكذلك اتفاقيات التعاون في قطاعات الطاقة والاقتصاد والأمن. كما أصبحت الجزائر شريكاً رئيسياً لتونس في مجال إمدادات الطاقة والدعم الاقتصادي، في حين يُظهر الرئيسان بانتظام تقاربهما في العديد من القضايا الإقليمية، ولا سيما ليبيا والقضية الفلسطينية.
في هذا السياق، لا تشكل تصريحات تبون رسالة دبلوماسية بسيطة، بل تعكس رغبة الجزائر في إظهار أن الأمن التونسي لا يزال يمثل قضية استراتيجية رئيسية.
إن اختيار تبون للكلمات يتجاوز في نهاية المطاف الإطار الوحيد لمكافحة الإرهاب. فمن خلال تأكيده على أن أي تهديد ضد تونس سيواجه رداً ساحقاً، يوجه الرئيس الجزائري أيضاً رسالة إلى الجهات الفاعلة الإقليمية التي قد تستغل عدم الاستقرار الأمني كورقة ضغط.
يؤكد هذا الموقف أن تونس باتت، بالنسبة للجزائر، عنصراً أساسياً في استراتيجيتها الأمنية الإقليمية. ففي المغرب العربي الذي يتسم بالتوترات الدبلوماسية وتزايد عدم الاستقرار في منطقة الساحل، تعتزم الجزائر التأكيد مجدداً على أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تدهور محتمل في الوضع الأمني لدى جارتها التونسية.






