صادقت الجمعية التشريعية “البرلمان” في بوركينا فاسو رسميا على مشروع قانون الحريات الدينية الجديد “المثير للجدل” والذي اشعل موجة من الغضب في عدد من المناطق حيث ردت السلطات بشن حملة اعتقالات بين الرافضين للقانون كانت قد سابقها بأسابيع اعتقال الداعية البوركيني الشهير محمد اسحاق كيندو لاعتراضه علي القانون فضلا عن اغلاق مسجد تابع لاتحاد الجمعيات الاسلامية .
وقالت الحكومة الانتقالية في بيان لها عقب المصادقة على القانون إن “هذا الإصلاح لا يستهدف أي دين وإنما يهدف إلى تنظيم ممارسة الحريات الدينية بما يضمن احترام النظام العام وحقوق الآخرين”.
وبحسب مراقبين يتضمن القانون الجديد عددا من المستجدات التنظيمية ومن أبرز هذه المستجدات “إلزام الجمعيات والمجتمعات الدينية العاملة داخل البلاد بالانضمام إلى هيئة أو مظلة دينية معترف بها من قبل الدولة”.
مراقبة الممارسات الدينية
كما ينص القانون على “إنشاء هيئة وطنية تتولى مراقبة مدى توافق الممارسات الدينية مع القوانين السارية ومتابعة تكوين الدارسين في المجالات الدينية والتصديق على الكفاءات والمؤهلات المرتبطة بهذا المجال”.
ويتضمن النص كذلك “تعريفا قانونيا لخطاب الكراهية والتحريض على الكراهية ذات الطابع الديني مع فرض عقوبات على مرتكبيها”.
وبموجب القانون قد تصل العقوبات إلى “السجن لمدة تتراوح بين سنة وسبع سنوات إضافة إلى غرامات مالية كما يجرم القانون أعمال ازدراء الأديان الأخرى أو الدعوات إلى التمييز على أساس ديني ويخضعها لعقوبات قانونية”.

وفي نفس الساق يحظر القانون على الموظفين العموميين “ممارسة أي نشاط دعوي أو تبشيري ديني أثناء تأدية مهامهم الرسمية كذلك ينظم تمويل المنظمات الدينية حيث يلزمها بإيداع حساباتها لدى بنك الودائع التابع للخزانة العامة”.
وتعتبر بوركينا فاسو من الدول التي تتميز بتنوع ديني كبير، حيث يشكل المسلمون الأغلبية إلى جانب وجود أقليات مسيحية وأتباع الديانات التقليدية،
وقد ظلت العلاقات بين هذه المكونات تتسم بدرجة عالية من التعايش. إلا أن تصاعد الهجمات المسلحة من قبل تنظيم الدولة وجماعة نصرة الإسلام التابعة للقاعدة ومتمردين محلليين خلال السنوات الماضية دفع السلطات الانتقالية بقيادة إبراهيم تراوري إلى تبني سياسات جديدة تهدف إلى فرض رقابة أكبر على النشاط الديني وتنظيم عمل المؤسسات والجمعيات الدينية. .
لكن القانون الذي اقره البرلمان جويه بحالة من الرفض من القيادات الإسلامية حيث اعتبرت أن بعض مواده قد تؤدي إلى تقييد حرية الدعوة والوعظ، ومنح السلطات نفوذاً كبيراً على المؤسسات الدينية.
وكان الشيخ محمد إسحاق كنيندو، أحد أبرز الدعاة السلفيين وزعيم الحركة السنية في البلاد، من أكثر الشخصيات انتقاداً لهذا التشريع، حيث حذر من أن يؤدي إلى تقليص استقلالية المساجد والجمعيات الإسلامية، داعياً إلى مراجعة بعض بنوده وإجراء حوار أوسع مع العلماء والهيئات الدينية
وتعود أسباب الاعتراض على القانون إلى عدة عوامل، أبرزها مخاوف العلماء والجمعيات الإسلامية من أن يؤدي إلى وضع المؤسسات الدينية تحت رقابة الدولة بصورة مباشرة، وهو ما يرونه مساساً باستقلالية العمل الديني.
كما يخشى المعارضون من أن تستخدم السلطات القانون للحد من الأصوات المنتقدة للحكومة، خاصة في ظل توسع نفوذ المجلس العسكري وتشديده الرقابة على المجال العام. كذلك يرى البعض أن القانون أُقر دون مشاورات كافية مع المؤسسات الدينية، مما أدى إلى زيادة حالة الاحتقان داخل المجتمع.

في المقابل، تؤكد السلطات أن القانون لا يستهدف الإسلام أو أي دين آخر، وإنما يهدف إلى حماية البلاد من مخاطر التطرف والإرهاب، وتنظيم النشاط الديني بما يضمن عدم استغلاله في نشر الأفكار المتشددة أو التحريض على العنف. كما تشدد الحكومة على أن الإجراءات الأمنية التي اتخذت بحق المحتجين جاءت للحفاظ على النظام العام ومنع أي أعمال قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار.
وبعد أيام قليلة من تصريحاته الرافضة للقانون، ألقت قوات الأمن القبض على الشيخ كندة في العاصمة واجادوجو، دون أن تصدر السلطات في البداية توضيحات رسمية مفصلة حول أسباب توقيفه، وهو ما أثار استياء واسعاً بين أنصاره وعدد من المؤسسات الإسلامية. وأكد اتحاد الجمعيات الإسلامية في بوركينا فاسو أن الإمام اعتُقل في ظروف غير واضحة، مطالباً السلطات بالكشف عن ملابسات القضية وضمان احترام الإجراءات القانونية.
احتجاجات غاضبة علي اعتقال كيندو
وأدى اعتقال الشيخ كندة إلى خروج مظاهرات احتجاجية في العاصمة واجادوغو، حيث تجمع عدد من أنصاره للمطالبة بالإفراج عنه والتنديد بما وصفوه بمحاولات تقييد حرية التعبير الديني.
وتدخلت قوات الأمن لتفريق المحتجين، فيما جرى توقيف عشرات الأشخاص المشاركين في الاحتجاجات. كما قررت السلطات إغلاق المسجد الكبير التابع للحركة السنية في العاصمة بصورة مؤقتة بدعوى الحفاظ على النظام العام ومنع وقوع اضطرابات أمنية. .
وفي ظل استمرار الجدل، والتظاهرات الاغضبة تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد إذا لم تنجح جهود الوساطة والحوار بين السلطات والهيئات الدينية.
ما يعزز تفاقم الأزمة أن القضية تجاوزت مجرد الخلاف حول قانون جديد، وأصبحت تعكس طبيعة العلاقة بين السلطة العسكرية والمؤسسات الدينية، وحدود حرية التعبير والممارسة الدينية في بلد يواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة.
ومن المرجح أن يظل ملف الشيخ محمد إسحاق كندة وقانون الحريات الدينية من أبرز القضايا التي ستؤثر في المشهد الداخلي في بوركينا فاسو خلال المرحلة المقبلة


