لم تعد اتفاقات أبراهام، التي وُقعت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، مجرد إطار لتطبيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى بوابة واسعة لإعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي وسوق السلاح في الشرق الأوسط.
فبعد أقل من ست سنوات على توقيع الاتفاقات، تكشف الأرقام عن تحول استراتيجي لافت في اتجاهات صادرات الصناعات العسكرية الإسرائيلية، حيث أصبحت الدول العربية المنخرطة في مسار التطبيع من بين أهم زبائن السلاح الإسرائيلي، في تطور كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة فقط.
أرقام قياسية غير مسبوقة
أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن صادراتها العسكرية سجلت مستوى قياسيًا جديدًا خلال عام 2025 بلغ 19.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 30% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى رقم في تاريخ الصناعات العسكرية الإسرائيلية، كما أنه يمثل أكثر من ضعف حجم الصادرات المسجلة قبل خمس سنوات.
كما أظهرت البيانات الرسمية أن الصادرات العسكرية الإسرائيلية واصلت تحقيق أرقام قياسية للعام الخامس على التوالي، مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ وتقنيات المراقبة والحرب الإلكترونية.
من التطبيع السياسي إلى الشراكة الأمنية
التحول الأبرز لم يكن في حجم الصادرات فقط، بل في وجهتها.
فوفق المعطيات الإسرائيلية، شهدت الدول المرتبطة باتفاقات أبراهام نموًا متسارعًا في مشترياتها العسكرية خلال العامين الماضيين، حتى أصبحت تمثل إحدى أهم الأسواق الخارجية للصناعات الدفاعية الإسرائيلية. كما ارتفعت حصة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من إجمالي الصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى نحو 15% خلال عام 2025.
ويرى محللون أن التعاون العسكري بين إسرائيل وبعض الدول العربية لم يعد يقتصر على تبادل المعلومات الأمنية أو التنسيق السياسي، بل انتقل إلى مستوى أعمق يتعلق ببناء قدرات دفاعية مشتركة تعتمد على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والرصد الإلكتروني والطائرات المسيرة.
لماذا تشتري الدول العربية السلاح الإسرائيلي؟
ترتبط هذه الظاهرة بعدة عوامل متداخلة.
أولها تصاعد المخاوف الأمنية الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات غير التقليدية، وهو ما دفع بعض الدول إلى البحث عن أنظمة دفاع أثبتت فعاليتها في بيئات قتالية حقيقية.
العامل الثاني يتمثل في التطور التكنولوجي السريع للصناعات العسكرية الإسرائيلية، التي أصبحت تنافس كبار المنتجين العالميين في مجالات الدفاع الجوي والذكاء الاصطناعي العسكري وأنظمة الاستشعار والمراقبة.
أما العامل الثالث فيتعلق بالرعاية الأمريكية لمسار التطبيع، حيث رأت بعض الدول أن تعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل ينسجم مع الترتيبات الأمنية الجديدة التي تشجعها واشنطن في المنطقة.
الرابح الأكبر: الصناعات العسكرية الإسرائيلية
تظهر البيانات أن الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة عززت الطلب العالمي على الأسلحة الإسرائيلية.
فوزارة الدفاع الإسرائيلية أكدت أن أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ شكلت نحو 29% من إجمالي صادرات 2025، بينما قفزت مبيعات أنظمة المراقبة والبصريات العسكرية إلى 22% من إجمالي العقود الموقعة.
كما استفادت الشركات الإسرائيلية الكبرى من تنامي الاهتمام الدولي بالأنظمة التي جرى استخدامها ميدانيًا في النزاعات الأخيرة، الأمر الذي رفع حجم العقود الحكومية المباشرة إلى نحو 10 مليارات دولار خلال عام واحد.
أمن عربي بتكنولوجيا إسرائيلية
أحد أكثر التحولات أهمية يتمثل في انتقال العلاقة من التطبيع الدبلوماسي إلى ما يمكن تسميته “الاعتماد الأمني المتبادل”.
فكل صفقة سلاح كبيرة لا تعني فقط شراء معدات عسكرية، بل تفتح الباب أمام عقود صيانة وتدريب وتحديث وتبادل معلومات فنية تمتد لسنوات طويلة، ما يخلق ارتباطًا متزايدًا بين المؤسسات العسكرية والأمنية في الدول المستوردة والشركات المنتجة.
ويرى خبراء أن هذا المسار قد يؤدي مستقبلاً إلى بناء شبكات أمنية إقليمية جديدة تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا الإسرائيلية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر ومواجهة الطائرات المسيّرة.
هل تغيرت فلسفة اتفاقات ابراهام؟
عندما وُقعت اتفاقات ابراهام عام 2020، رُوج لها باعتبارها مشروعًا لتعزيز السلام والتعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن البعد الأمني والعسكري أصبح أحد أبرز محركات هذه الاتفاقات.
ففي الوقت الذي توسعت فيه التجارة والاستثمارات والسياحة بين الأطراف الموقعة، شهد التعاون الدفاعي نموًا أسرع وأكثر تأثيرًا، حتى بات يشكل أحد أعمدة العلاقات الجديدة في المنطقة.
مستقبل السوق
تشير المؤشرات الحالية إلى أن الطلب على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية مرشح لمزيد من النمو خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية وتزايد الإنفاق الدفاعي في الشرق الأوسط.
ومع وصول صادرات السلاح الإسرائيلية إلى 19.2 مليار دولار في عام 2025، تبدو اتفاقات أبراهام وقد تجاوزت حدود التطبيع التقليدي لتصبح منصة لإعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة، حيث لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بالعلاقات السياسية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، بل بمدى تأثير الاعتماد العسكري والتكنولوجي المتبادل على شكل النظام الأمني الإقليمي خلال العقد المقبل.







