هذه الكلمات التي صاغها ذلك الخطيب في خطبة العيد في هيئة دعاء تجمع في سطر واحد ثلاثة إشكالات متراكمة.. إشكالية عقدية، وإشكالية فقهية في صيغة الدعاء، وإشكالية بلاغية في ركاكة التعبير وتناقضه
أما النقد العقدي في التوسل بالذوات ومسألة الحق على الله في عبارة «أسألك بحق فاطمة» تتضمن إثبات حق لمخلوق على الخالق، وهذه مسألة خطيرة، والحق على الله نوعان..
حق أثبته الله لنفسه بفضله ورحمته كقوله صلوات ربي عليه.. “حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً” وهذا حق تفضل الله بإثباته على نفسه، ولا يُقاس عليه
وحق يدعيه الداعي لمخلوق على الله استناداً إلى فضل ذلك المخلوق ومنزلته، وهذا هو محل الإشكال.. فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة “أما التوسل بجاه فلان أو بحق فلان فليس هذا مشروعاً، لأن الله سبحانه لا يُقسم عليه بمخلوق” وعلل ذلك بأن الحق حقيقته الاستحقاق، والمخلوق لا يستحق على الخالق شيئاً من ذات نفسه، وكل ما أُعطيه فبفضل الله لا باستحقاقه.. فهذا الدعاء بعينه “اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها” لا أصل له في السنة الصحيحة، ولم يُرو عن النبي صلوات ربي عليه ولا عن أحد من الصحابة، وما لا أصل له في الدين لا يُشرع التعبد به
أما مسألة التوسل بالذوات في الشريعة ثلاثة أنواع مشروعة.. التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بعمل صالح للداعي نفسه، والتوسل بدعاء رجل صالح حي حاضر يدعو لك، أما التوسل بذات المخلوق (حياً كان أو ميتاً) فهذا هو الإشكال بعينه، وهي البدعة التي لا دليل عليها
وصاحب هذا الدعاء لا يتوسل بدعاء فاطمة رضي الله عنها، إذ هي ميتة لا تُسأل.. بل يتوسل بذاتها وجاهها وسرها، وهذا عين ما أنكره علماء السلف وسموه توسلاً غير مشروع.. ثم قوله “والسر الكامن فيها” وهذا أشدها إشكالاً، فهذا مصطلح صوفي محض لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة.. وهو يُوحي بأن لفاطمة رضي الله عنها طاقة خفية أو حقيقة باطنية يُتوسل بها ما وراء ذاتها المعروفة.. وهذا إلى الغنوصية أقرب منه إلى الإسلام.. ولم يرد في أي نص صحيح وصف فاطمة رضي الله عنها بأن فيها “سراً كامناً” يُستشفع به.. وإدخال هذا المصطلح في الدعاء هو إدخال لمفهوم دخيل في العبادة، والعبادة مبناها التوقيف
والعبادة توقيفية تستند إلى القاعدة الأصولية الثابتة.. “الأصل في العبادات التوقف حتى يثبت الدليل” فمن ابتدع صيغة في الدعاء لم يرد بها نص، فعليه الدليل لا على من أنكر، وهذا الدعاء بصيغته هذه لا يوجد له سند صحيح ولا ضعيف مرفوع إلى النبي صلوات ربي عليه، ولا أثر ثابت عن أحد الصحابة أو التابعين
وقد يستند البعض في هذا الباب إلى حديث “اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك” وهو حديث أخرجه أحمد وابن ماجه.. وقد اختُلف في صحته، وعلى فرض صحته فإنه توسل بوصف عام وهو “السائلون” لا بذوات معينة مُسماة، فالقياس على هذا الحديث لإثبات مشروعية التوسل بذات فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها قياس مع الفارق، ولا يصح الاحتجاج به على هذه الصيغة
والمتأمل في الأدعية النبوية الثابتة في الصحيحين يجدها خالية تماماً من هذه الصيغ.. فلم يدع النبي صلى الله عليه وسلم يوماً قائلاً “اللهم بحق فاطمة اغفر لأمتي”، ولم يعلم أحداً من أصحابه أن يتوسل بأسماء آل البيت في دعائه.. وهذا سكوت تشريعي له دلالته، لأن باب الدعاء من أوسع الأبواب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم فيها أصحابه، فلو كانت هذه الصيغة مشروعة لبينها
ثم يتجلى ضعف الصياغة من داخلها قبل أن يأتيها النقد من خارجها بسبب هذا الترهل في التعداد “فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر الكامن فيها” خمسة توسلات متتالية في جملة واحدة، وكل واحد منها مستقل في إشكاليته.. وقد يظن صاحبها أن هذا الترهل التعدادي يُضيف قوة بلاغية للدعاء، في حين أنه يجمع الوسائل جمعاً احتياطياً كمن يجمع الأسلحة خشية ألا تنفع واحدة منها.. وهذا في أدب الدعاء مذموم لأنه يتعارض مع كمال التوكل وحسن الظن بالله
ثم اتبع هذا التوسل بسؤاله ألا يجعل لمصر حاجة عند لئيم !!.. وهذه صيغة مبهمة المرجع، ضيقة الأفق.. فمن اللئيم؟! ومن يحدد اللؤم؟! وهل الدعاء السياسي يُبنى على أوصاف أخلاقية مبهمة؟!.. كان الأجدر والأقوم في الدعاء أن يسأل الله الاستغناء والكفاية والعزة مطلقاً، لا أن يُبنى الدعاء على وصف مبهم مشحون عاطفياً
لذلك فإن هذا الدعاء لم يكن منضبطاً عقدياً ولا فقهياً ولا بلاغياً، وحسبنا أن الله سبحانه قال.. (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).. فجعل الدعاء مباشراً إليه، ولم يجعل بيننا وبينه حُجُباً من الذوات والأسرار والأنساب .


