لم يعد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية مجرّد واقع عسكري أو سياسي، بل تحوّل تدريجيًا إلى نموذج اقتصادي متكامل، تُدار فيه السيطرة والقمع بوصفهما مصدرًا مستدامًا للأرباح. هذا ما يثبته تقرير المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة، فرنشيسكا ألبانيزي، الصادر في يونيو 2025 تحت عنوان «من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية»، والذي يقدّم لأول مرة توصيفًا منهجيًا لكيفية اندماج العنف الإسرائيلي في سلاسل القيمة العالمية.
وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تحصد إسرائيل ما لا يقل عن 41 مليار دولار سنويًا من استغلالها المباشر للضفة الغربية وحدها، أي نحو 7% من ناتجها المحلي الإجمالي. هذا الرقم لا يشمل الأرباح غير المباشرة الناتجة عن تحويل الأراضي المحتلة إلى سوق مغلق، والعمالة الفلسطينية إلى قوة عمل هشّة، والسكان إلى مختبر دائم للتجريب الأمني والتكنولوجي.
الإبادة في عصر الحوسبة السحابية
يكشف تقرير ألبانيزي أن الإبادة لم تعد تُدار فقط عبر الطائرات والدبابات، بل عبر الخوادم والذكاء الاصطناعي. منذ عام 2021، أبرمت الحكومة الإسرائيلية عقدًا بقيمة 1.2 مليار دولار مع أمازون وغوغل ضمن مشروع «نيمبوس»، يوفّر بنية حوسبة سحابية شاملة للجيش، وأجهزة الاستخبارات، والشرطة، وإدارة السجون، وشركات السلاح، وحتى الهيئات المشرفة على الاستيطان.
بعد أكتوبر 2023، ومع الضغط غير المسبوق على البنية العسكرية الإسرائيلية، تحوّلت خدمات مايكروسوفت «أزور» وغوغل كلاود وأمازون ويب سيرفيسز إلى بنية تحتية حيوية لإدارة العمليات العسكرية في غزة. وصفت قيادات في الجيش الإسرائيلي هذه السحابة بأنها «منصة أسلحة»، ليس فقط لقدرتها على المعالجة، بل لأنها تحمي البيانات من أي مساءلة قانونية دولية محتملة.
شركات السلاح: حين تتحول المجازر إلى أسهم صاعدة
شكّلت الحرب على غزة طفرة أرباح غير مسبوقة لشركات التصنيع العسكري. فشركات مثل لوكهيد مارتن، ونورثروب غرومان، ورايثيون (RTX)، وجنرال دايناميكس، ارتبطت مباشرة بتزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر. هذه الشركات، المتعاقدة أساسًا مع البنتاغون، استفادت من ارتفاع الطلب وتسارع الإنتاج، بينما كانت غزة تتحوّل إلى أكبر مسرح اختبار للأسلحة المتطورة.
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 28 ألف امرأة وفتاة في غزة، كثير منهن بأسلحة من إنتاج شركات تتصدّر مجالس إدارتها شخصيات فاعلة في مؤسسات ثقافية وأكاديمية غربية، ما دفع مبادرات مثل «نُبلاء الإبادة» إلى تتبع هذه الروابط وكشف التناقض بين الخطاب الإنساني والممارسة الفعلية.
التكنولوجيا كأداة قتل وتصدير عالمي
تُمثّل شركة «بالانتير» نموذجًا صارخًا لاندماج رأس المال التكنولوجي بالإبادة. منذ 2015، عززت الشركة شراكاتها مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفي يناير 2024 أعلنت رسميًا تسخير تقنياتها لدعم «المهام الحربية». تُستخدم أنظمتها في الاستهداف والتحليل، وقد أقرّ مديرها التنفيذي علنًا بدورها في عمليات القتل، في تصريحات اعتبرها تقرير ألبانيزي دليلاً على العلم والإرادة.
هذا النموذج لا يتوقف عند فلسطين. فالتقنيات التي تُختبر على الفلسطينيين تُصدَّر لاحقًا إلى العالم. في عام 2020، استحوذت الشركات السيبرانية الإسرائيلية على نحو 31% من الاستثمارات العالمية في هذا القطاع، وبلغت قيمة صادراتها 6.85 مليارات دولار، بينما تجاوزت صفقات الاستحواذ 4.7 مليارات دولار. هكذا تتحول الإبادة إلى علامة تجارية، والخبرة في القمع إلى سلعة عالمية.
الاستيطان كمنصة ربح عابر للحدود
لم تكتفِ إسرائيل باستغلال الأرض، بل حوّلت الاستيطان نفسه إلى نشاط اقتصادي دولي. فشركات سياحية مثل Airbnb وBooking.com وExpedia تعرض مئات العقارات في المستوطنات غير الشرعية. ورغم تعهدات سابقة بالانسحاب، لا تزال هذه الشركات تدر أرباحًا من أراضٍ مصادرة بالقوة.
في يونيو 2025، أطلقت منظمات قانونية دولية دعاوى غير مسبوقة ضد Airbnb في أوروبا وأميركا، مستخدمة قوانين مكافحة غسل الأموال، على أساس أن عائدات الاستيطان تمثل أرباحًا ناتجة عن جرائم حرب. هذه الدعاوى تفتح الباب أمام ملاحقة تنفيذية جنائية، وليس مجرد إدانات أخلاقية.
حين تصبح الإبادة استثمارًا
ما يكشفه تقرير ألبانيزي، مدعومًا ببيانات الأمم المتحدة والتحقيقات المستقلة، هو أن ما يجري في فلسطين ليس انحرافًا أخلاقيًا عابرًا، بل منظومة مصالح متكاملة. إسرائيل لا تخوض حربًا فقط، بل تدير اقتصادًا قائمًا على السيطرة، وتجد في الشركات العالمية شريكًا لا متفرجًا.
الأخطر أن هذه المنظومة لا تكتفي بتدمير فلسطين، بل تُصدّر أدواتها إلى العالم، مهددة بتحويل الإبادة من جريمة استثنائية إلى ممارسة طبيعية داخل النظام الدولي. أمام هذا الواقع، لم يعد السؤال أخلاقيًا فقط، بل قانوني وسياسي: إلى متى يمكن للاقتصاد العالمي أن يتغذى على دم شعب، دون أن ينهار النظام الذي يزعم الدفاع عن حقوق الإنسان؟






