تشهد العلاقات بين موريتانيا ومالي توتراً متصاعداً على خلفية إغلاق السلطات المالية لنحو 300 متجر تعود لتجار موريتانيين، وتعليق نشاطات اقتصادية واجتماعية محورية للجالية في باماكو ومدن أخرى. هذه الأزمة، التي دخلت أسبوعها الثالث، كشفت عن هشاشة مكتسبات عقود من التداخل البشري والاقتصادي بين البلدين.
وطرحت الأزمة بحسب الباحث الموريتاني في الشئون الافريقية سلطان البان تحديات جديّة أمام الحكومتين في ظلّ مناخ إقليمي. تقول السلطات المالية إن هذه الإغلاقات مرتبطة بمخالفات إدارية وضريبية، من بينها عدم امتلاك بعض التجار وثائق قديمة لم تعد معتمدة رسمياً.
غير أنّ كثيراً من أبناء الجالية يرون أن لهذه الإجراءات بعداً سياسياً وانتقامياً، وله صلة بردود فعل متبادلة بعد حملة ترحيل المهاجرين الماليين من قبل نواكشوط مؤخرا تصاعد النشاط الأمني للجماعات المسلحة في غرب مالي، وتدهور الوضع الحدودي، لعبا كذلك دوراً في تضييق الإجراءات على حركة الأشخاص والتجارة.

وأدت هذه الإجراءات إلى شلل شبه تام في النشاط الاقتصادي للجالية، حيث وجد نحو 300 تاجر أنفسهم خارج دورة العمل، وتفاقمت معاناة مئات الأسر التي تعتمد على الدخل اليومي من هذه المتاجر. يقول متحدثون باسم المتضررين إنهم حاولوا الامتثال لكل الشروط الجديدة،
ازمة التجار وتعقيدات اقليمية
لكن السلطة ت وفقا لدراسة البان قابلهم بمزيد من الشروط أو رفض إعادتهم لنشاطهم، وسط تجاهل رسمي وغياب الدعم الحكومي. بعضهم وصف غياب السفير وغياب المواقف الصارمة من الحكومة الموريتانية بأنه زاد الأزمة تعقيداً، ورفع منسوب الغضب والاحتقان داخل أوساط الجالية.
وتاهذ الأزمة الراهنة بعداً إقليمياً بالنظر إلى حساسية الموقع الجغرافي وتداخل المصالح بين البلدين. إذ جاءت ضمن سياق إجراءات متبادلة تمس حرية التنقّل والتجارة، وتسببت في قلق على مستقبل اتفاقية التنقل والإقامة لعام.
كما أن بروز الجماعات المسلحة كفاعل أمني–اقتصادي في غرب مالي يفاقم من المخاطر، وسط مخاوف من أن استمرار الإغلاق سيعزز هشاشة منطقة الساحل ويعطل جهود مكافحة الإرها. خيار التصعيد الدبلوماسي ما زال مطروحاً إذا لم تبادر باماكو لخطوات تهدئة وتوضيح موقفها رسمياً حول مستقبل نشاط الجالية الموريتانية.

بالمقابل، يمكن أن تتجه المنطقة إلى مزيد من الضغوط الأمنية على طرق التجارة والنقل، أو إلى تفعيل قنوات حوار ثلاثية (موريتانيا–مالي–سنغال) لضمان مصالح الجاليات وتأمين مسارات التجارة الإقليمية. تعكس أزمة المتاجر الموريتانية في مالي هشاشة البُنى الاقتصادية والاجتماعية في الساحل وقابلية المنطقة للاهتزاز عند أول اختبار أمني أو إداري.
ومن الثابت الإشارة إلي أن مُهمة الحكومات اليوم ليست فقط في إدارة أزمة عابرة، بل في ابتكار آليات تضامن إقليمي وإيجاد قنوات طوارئ تضمن حقوق الجاليات وتحمي مصالح الأطراف الأضعف من المستجدات العابرة.
لقد بات مطلوباً من القيادة الموريتانية ممارسة ضغط سياسي أقوى، ومن باماكو المبادرة بتوضيح الموقف وتطمين الجاليات، منعاً لتحول الأزمة إلى نقطة ارتكاز لصراعات أكبر تهدد الاستقرار الإقليمي وفقا للباحث الموريتاني سلطان البان.


