واحد من أهم أسباب الخلافات الآن بين واشنطن وطهران هو الملف النووي.
انسحب ترامب من الاتفاقية التي وُقعت في عهد باراك أوباما عام 2015 بعد سنوات من المفاوضات، وذلك استجابة لضغوط النتن ياهو، وهو مربط الفرس في هذه العقدة التي تُتخذ ذريعة لاستمرار التصعيد.
وما يجري بين الولايات المتحدة وإيران في الملف النووي الآن لم يعد مجرد خلاف سياسي… بل أصبح نموذجًا كلاسيكيًا لما يمكن وصفه بـ “حوار الطرشان”.
كل طرف يتحدث… لكن لا أحد يستمع.
▪️ واشنطن تكرر خطابًا واحدًا: “لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي”
▪️ وطهران ترد: “لا نسعى أصلًا لامتلاك سلاح نووي”
ولا يوجد دليل حاسم على امتلاك إيران برنامجًا نوويًا عسكريًا.
وهنا يبدأ الانفصال الكامل بين ما تراه إيران حقًا سياديًا… وما تعتبره #واشنطن تهديدًا محتملاً.
أولًا: إيران لا تجادل في السلاح… بل في الحق وتؤكد أنها لا تريد سلاحًا نوويًا، بل تتمسك بحقوقها والتي تستند إلى أنها:
▪️ موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
▪️ وتعلن أن برنامجها سلمي.
وتتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم وامتلاك دورة الوقود النووي، وهو حق تستند فيه إلى المادة الرابعة من المعاهدة التي تنص على: الحق غير القابل للتصرف للدول الأطراف في تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية دون تمييز.
ويشمل هذا ضمنًا تخصيب اليورانيوم.. وإنشاء مفاعلات نووية.. وتطوير دورة الوقود النووي.. والشرط أن تخضع أنشطتها لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ثانيًا: الموقف الأمريكي -إذن- لا يتوقف عند منع السلاح النووي…بل يتجاوز ذلك بسعيه لمنع التخصيب بالكلية، بل وتفكيك أجزاء من البرنامج النووي، وفرض قيود دائمة تتجاوز نصوص المعاهدة.
جوهر الأزمة سيادي، ويتعلق بتعريف من يملك الحق؟ فمن وجهة نظر إيران التخصيب جزء من السيادة الوطنية وحق قانوني أصيل. وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة – ومن خلفها إسرائيل – أن امتلاك هذه القدرات في المنطقة يمثل تهديدًا يجب احتواؤه، وأن التخصيب بوابة محتملة للسلاح… ويجب منعه لفترة مفتوحة (صفر تخصيب).
وبين هذين المشروعين … يضيع أي حوار حقيقي.
فلم نعد أمام نقاش حول منع الانتشار النووي بقدر ما نحن أمام صراع على إدارة النفوذ في المنطقة.
ولم يعد الخلاف حول منع السلاح النووي بل حول من يملك السيطرة على التكنولوجيا النووية في النظام الدولي؟
إيران ترى أن ما تفعله واشنطن هو فرض وصاية سياسية وتقنية، وتقييد لحق سيادي تكفله معاهدة دولية، ومنعها بالقوة من حقها هو نمط من الهيمنة و«الاستبداد الاستعماري» الذي يميز بين الدول ويمنح بعضها حقوقًا ويحرم منها آخرين.
المفاوضات الماراثونية التي جرت في إسلام آباد حتى صباح اليوم فشلت لأنها لم تكن حول البرنامج النووي…
بل على تعريف “الحق” وحدود السيادة… ومن يضع قواعد اللعبة الدولية ومن يجب أن يخضع للشروط!!
ولهذا…سيستمر “حوار الطرشان” طويلًا، ما لم يُحسم السؤال الأهم:
هل النظام الدولي قائم على القانون… أم على موازين القوة وأوهام الغطرسة؟


