في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات، انهارت الحكومة الأفغانية التي أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها عشرين عامًا ومئات المليارات في بنائها، وعادت طالبان منتصرة إلى كابول.. فأين تقف أفغانستان اليوم؟
سواء أحببت طالبان أو اختلفت معها، فإن تجربتها في هذه السنوات تستحق الدراسة؛ لأنها تكشف الفارق الذي يمكن أن يصنعه حكم وطني مستقل، يحظى برضى غالبية الشعب، ويملك قراره، وقادر على فرض سلطة الدولة ومحاربة الفساد وفرض الأمن والعدل، في بلد مزقته الحروب والتدخلات الأجنبية لأكثر من أربعين عامًا، ويتكون من إثنيات ومذاهب مختلفة؛ بشتون وطاجيك وهزارة وتركمان وغيرهم.
قد يرى البعض -وهذا حقهم- أخطاء وسياسات تستحق النقد، لكن الأكيد ان هناك أيضًا نتائج مذهلة وموثقة يصعب إنكارها وجاء بعضها على عكس توقعات انهيار البلاد ودخولها في حرب أهلية وانهيار وانتقام واسع.
الأمن.. الإنجاز الأكبر
بعد عقود من الحروب، باتت هناك حكومة مركزية واحدة بسطت الأمن وسيطرت عمليًا على البلاد، وتحسنت حركة السفر والتجارة بين المدن.
على رغم العمليات الجبانة لداعش-خراسان وهي أخطر تهديد إرهابي رغم الضربات التي أضعفتهم كثيرا الآن،
إضافة إلى المواجهات الأخيرة مع باكستان بسبب اتهام إسلام آباد لطالبان بإيواء عناصر طالبان باكستان، وهو ما تنفيه كابول،
فضلًا عن تصاعد الخلاف التاريخي حول خط «ديورند» الحدودي الذي رسمه البريطانيون وقسّم مناطق وقبائل البشتون، وهي الحدود التي لا يعترف بها الأفغان.
ومع ذلك، فإن استعادة الأمن ووحدة السلطة بعد أكثر من أربعين عامًا من الحروب ربما تكون معجزة طالبان الكبرى.
كما أن العفو العام وتجنب الانتقام الجماعي الواسع بعد عشرين عامًا من الحرب تجربة في العدالة الانتقالية تستحق الدراسة.
الاقتصاد.. مفاجأة رغم الحصار
تعرض الاقتصاد لانهيار حاد بعد 2021 مع تجميد الأصول، وانهيار المساعدات الخارجية، والعزلة المصرفية وعدم الاعتراف الدولي.
لكنه عاد إلى النمو، ويقدر البنك الدولي أحدث معدل للنمو الحقيقي بنحو 4.8%، مع ارتفاع الإيرادات المحلية إلى نحو 19.8% من الناتج المحلي.
وهذا يحدث رغم تراجع المساعدات والعزلة المالية وضعف الاستثمار وعودة 6 مليون أفغاني مؤخرا من باكستان وإيران، وبعد صدمات كورونا وحرب أوكرانيا،
وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإيرانية وأزمة هرمز وارتفاع أسعار الطاقة والنقل، خاصة أن أفغانستان دولة حبيسة ليست لها مواني.
بل إن 56% من واردات أفغانستان في مايو 2026 جاءت من إيران أو عبرها، ما يجعل الاقتصاد الأفغاني من أكثر المتأثرين بالأزمة الحالية.
أي أننا أمام حالة صمود وتعافٍ اقتصادي لافت، ليست بالتأكيد معجزة اقتصادية مكتملة، ولكنها تجربة نجاح.
المخدرات.. الإنجاز الأكثر إثارة للدهشة
الأرقام هنا ليست لطالبان، بل لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة.
كانت أفغانستان تحت حكم أمريكا والناتو تزرع نحو 232 ألف هكتار من الخشخاش في 2022. وبعد حظر طالبان للأفيون انخفضت المساحة إلى 10,200 هكتار في 2025؛ أي تراجع بنحو 96%.
وهو إنجاز هائل في بلد ظل لعقود المصدر الأكبر للأفيون والهيروين عالميًا.
تعليم المرأة
لاتزال أبرز الانتقادات لطالبان هو استمرار منع الفتيات من التعليم بعد الصف السادس. وهذه ليست قضية يمكن تبريرها بالخصوصية الثقافية أو الشريعة، وإنما تحتاج إلى اجتهاد جديد يفتح للفتيات جميع مراحل التعليم.
وفي المحصلة، بعد خمسة أعوام، أفغانستان لم تنهَر بعد رحيل أمريكا. استعادت الأمن ووحدة السلطة، وحقق اقتصادها نموًا يقترب من 5% رغم العزلة والحصار وتراجع المساعدات، وانخفضت زراعة الأفيون بنحو 96%.
لكن الدرس الأكثر أهمية هو ما أسميه «شرعية الإنجاز» فيمكنك أن تختلف مع طالبان في الفكر والسياسة والمجتمع،
لكن يصعب تجاهل ما تحقق في ظل حكم وطني مستقل يحظى برضى غالبية الشعب، لا يعيش على حماية قوة احتلال، ويملك قراره ويسيطر على أرضه،
واستطاع أن يستعيد الأمن ويحارب الفساد والجريمة والمخدرات ويعيد الاقتصاد إلى النمو.
مما جعل دولا مختلفة رغم عدم الاعتراف الدبلوماسي، تقبل على التجارة والاستثمار والتعامل مع النظام الجديد في أفغانستان التي قدمت تجربة شديدة التعقيد، لكنها تؤكد حقيقة تستحق التفكير:
فالحكم الوطني غير الفاسد يستطيع، حتى بإمكانات محدودة، أن يحقق ما تعجز عنه مئات المليارات حين تُهدر في دولة تابعة وفاسدة.
فأمريكا وحلفاؤها أمضوا عشرين عامًا في أفغانستان، وأنفقوا مئات المليارات، وبنوا جيشًا وحكومة ومؤسسات انهارت كلها وتبخرت خلال أيام.
لأن التنمية الحقيقية لا تبدأ بحجم الأموال والمساعدات… بل تبدأ بدولة تملك قرارها وحكم غير فاسد يشعر بالمسؤولية عن بلده وكل شعبه.






