ماذا لو استيقظت ذات يوم واكتشفت أن أكثر ما كنت تريده في حياتك ليس مستحيلًا كما ظننت، وإنما ينتظرك خلف باب لم تجرؤ على فتحه؟ , وماذا لو كان الثمن الذي ستدفعه مقابل الخروج من حياتك القديمة هو أن تفقدها تمامًا؟
من هذه المنطقة المربكة بين الواقع والرغبة، الملل والمغامرة، الحلم والكابوس، يأخذ الكاتب والسيناريست المصري محمد جلال قارئه في روايته «أسوأ احتمال ممكن لحسين الشوربجي»، الصادرة عن دارك للنشر والتوزيع . لكن المفارقة الأولى تبدأ من اسم البطل نفسه.
من هو حسين الشوربجي؟
قد يوحي الاسم بأننا أمام شخصية استثنائية، لاعب كرة على وشك صناعة مجده، أو سياسي يخفي أسرارًا، أو فنان أو مخترع ينتظر لحظة اكتشافه. لكن جلال يفعل العكس تمامًا؛ إذ يضع بطله في أقصى نقطة ممكنة من «البطولة التقليدية».
حسين شاب عادي. عادي إلى درجة موجعة. ، شاب لم تمنحه الحياة فرصة كافية لتحقيق أحلامه، يعمل في خدمة عملاء إحدى شركات الاتصالات، وما زال يعيش مع والدته، ويدور في دائرة يومية تبدو مغلقة بإحكام. ومن هنا تحديدًا تبدأ اللعبة الحقيقية للرواية: ماذا يمكن أن يفعل إنسان عادي حين تُمنح له فجأة فرصة للهروب من حياته؟
الرواية لا تقدم الهروب باعتباره خلاصًا مضمونًا، وإنما تضع القارئ أمام سؤال أكثر قسوة: هل كل باب للخروج يقود بالضرورة إلى حياة أفضل؟
وحسين يتمسك بالفرصة، حتى لو قادته إلى مطاردة من شركة لا تعرف الرحمة، أو دفعته إلى الاقتراب من عالم العصابات والجريمة، أو جعلته أسير لعبة تهدد بتدمير عالمه.
وهنا تتحول الرواية من حكاية عن شاب يشعر بالملل إلى رحلة في منطقة أكثر خطورة: من يملك حياتك عندما تصبح اللعبة أكثر واقعية من الواقع نفسه؟
وتشير مراجعات القراء إلى أن الرواية توظف عالم الألعاب والواقع الافتراضي في بناء حبكتها، وأنها تمزج بين الواقع والفانتازيا والغموض، مع سرد سريع ولغة تجمع بين الفصحى البسيطة واللغة الحية القريبة من القارئ. كما رأى بعض القراء فيها صدى لتيمة عالم «فانتازيا» في الأدب العربي، مع اختلاف المعالجة والشخصيات.
ولا تبدو اللعبة في الرواية مجرد وسيلة للترفيه أو عنصرًا زخرفيًا في الحكاية؛ بل تتحول إلى مرآة تكشف ما يخفيه الإنسان عن نفسه. فحين يحصل حسين على فرصة ليكون شخصًا آخر، تبدأ الأسئلة الحقيقية: هل نحن فعلًا نريد تغيير حياتنا، أم نريد فقط الهروب منها؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش حياة بديلة من دون أن يدفع ثمنًا في حياته الأصلية؟
وهذا ما يجعل عنوان الرواية نفسه جزءًا من اللعبة.
«أسوأ احتمال ممكن» ليس مجرد وعد بالتشويق، بل سؤال مفتوح: ما هو الأسوأ فعلًا؟ أن تظل في الحياة التي لم تخترها؟ أم أن تحصل أخيرًا على فرصة اختيار، ثم تكتشف أن اختيارك كان أكثر خطورة مما تخيلت؟
محمد جلال.. من الأدب الساخر إلى السيناريو والرواية
محمد جلال ليس اسمًا جديدًا على الكتابة المصرية. وُلد عام 1989، وحصل على بكالوريوس هندسة الطيران، قبل أن ينتقل إلى عالم الكتابة والعمل الإبداعي، حيث شارك في كتابة والإشراف على كتابة عدد من البرامج التلفزيونية، من بينها «أسعد الله مساءكم»، و«ساليزون»، و«الأبواب المغلقة»، ثم اتجه إلى الدراما والسينما.
وكان مسلسل «الأب الروحي» من أبرز محطاته الدرامية الأولى، كما شارك في كتابة مسلسل «رحيم»، وامتدت أعماله لاحقًا إلى مسلسلات وبرامج ومشروعات سينمائية، من بينها «دوبامين»، و«سوشيال»، و«أسيل»، و«سوتس»، إضافة إلى أعمال أخرى. وفي السينما ارتبط اسمه بكتابة «نجوم الساحل» و«هيبتا 2: المناظرة الأخيرة».
أما أدبيًا، فقد بدأ جلال مبكرًا في نشر أعمال تجمع بين السخرية والفانتازيا والخيال والمفارقات اليومية. ومن أعماله «الكتاب الأصفر» الصادر عن دار أطلس عام 2014، و«سِفر التحليق» عام 2015، و«100 حلم قبل الموت» عام 2016، و«حروب الجيل الضايع» عام 2017.
وتكشف هذه المسيرة عن اهتمام واضح لدى الكاتب بالشخصيات العادية، والأحلام المؤجلة، والمفارقات التي تنشأ عندما يصطدم الإنسان بحياة لا تشبه ما تخيله لنفسه.
رواية تبحث عن الإنسان خلف الشاشة
اللافت في «أسوأ احتمال ممكن لحسين الشوربجي» أن عالمها لا يقف عند حدود المغامرة والتشويق. فخلف اللعبة والمطاردة والغموض يبرز سؤال الإنسان المعاصر الذي أصبح يقضي جزءًا متزايدًا من وجوده داخل عوالم افتراضية.
بعض القراءات المنشورة للرواية توقفت بالفعل عند هذه النقطة، ورأت أن العمل يطرح قضية العلاقة بين الإنسان والألعاب الإلكترونية، وإمكانية تحول العالم الافتراضي من وسيلة للهروب إلى مساحة تسيطر على وعي الإنسان وعلاقاته وحياته الواقعية.
وهنا تكتسب شخصية حسين دلالتها؛ فهو ليس بطلًا خارقًا، ولا يمتلك قدرات استثنائية، وإنما هو نموذج لشاب يمكن أن نجده في أي مدينة: موظف يؤدي عمله، يعود إلى بيته، يعيش مع والدته، يحمل أحلامًا لم تتحقق، ويبحث عن نافذة صغيرة يرى منها حياة مختلفة.
ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجًا الذي تتركه الرواية خلفها:
لو مُنحت فرصة لتصبح شخصًا آخر.. هل ستختار العودة إلى حياتك القديمة؟
وربما تكون الإجابة هي التي تكشف بالفعل أسوأ احتمال ممكن لحسين الشوربجي.
وتشير بيانات «أبجد» إلى تفاعل قرائي جيد مع الرواية، إذ حصلت على تقييمات ومراجعات متعددة من القراء، بينما يسجل Goodreads تقييمًا يدور حول أربع نجوم، مع اختلاف العدد وفق تحديثات المنصة.
في النهاية، تبدو «أسوأ احتمال ممكن لحسين الشوربجي» رواية عن ذلك الإنسان الذي يقف أمام حياته ويشعر أنها لم تعد تخصه، ثم تأتيه فرصة ليهرب منها. لكن محمد جلال لا يسمح له بالهروب بسهولة؛ إذ يحوّل الحلم إلى لعبة، واللعبة إلى واقع، والواقع إلى مأزق، حتى يصبح السؤال ليس: كيف سيخرج حسين؟ بل: هل كان خروجه من الأساس هو القرار الصحيح؟


