تكشف المؤشرات الديموغرافية عن مفارقة تواجه القارة الأفريقية خلال العقود المقبلة؛ فبينما لا تزال أفريقيا واحدة من أكثر مناطق العالم شبابًا، تتجه في الوقت نفسه إلى زيادة متسارعة في أعداد كبار السن، بما يفرض ضغوطًا جديدة على نظم المعاشات والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، ويجعل إعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الأجيال قضية تنموية ملحة.
وتبرز هذه المفارقة في الأرقام التي طُرحت على هامش «حوار المستقبل الديموغرافي» المنعقد في أبيدجان بكوت ديفوار خلال الفترة من 3 إلى 5 نوفمبر 2026، بمشاركة الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان لشؤون السكان والتنمية الأسرية، التي دعت إلى تطوير نظم الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والمعاشات لمواكبة التحولات السكانية في القارة.
قارة شابة.. لكن أعداد كبار السن تتزايد
وفق تقديرات بنك التنمية الأفريقي، بلغ عدد سكان القارة نحو 1.5 مليار نسمة في عام 2025، وكان نحو 60% منهم دون سن الخامسة والعشرين، أي ما يقارب 900 مليون شخص، وهو ما يمنح أفريقيا قاعدة شبابية ضخمة يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية واقتصادية إذا توافرت فرص التعليم والعمل والتدريب.
لكن الصورة لا تتوقف عند الشباب؛ إذ تشير تقديرات سكانية أممية إلى أن عدد الأفارقة الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر ارتفع إلى نحو 55 مليون شخص في عام 2024، بما يعادل 3.6% من إجمالي السكان آنذاك، مع توقعات بزيادة العدد إلى 144 مليونًا بحلول عام 2050، لترتفع نسبتهم إلى نحو 5.8% من السكان.
وبحساب الفترة من عام 2026 إلى 2050، فإن القارة أمام 24 عامًا يرتفع خلالها عدد كبار السن إلى نحو 2.6 ضعف مستواه المسجل في 2024، بزيادة تقارب 89 مليون شخص، وهو ما يعني أن أعداد هذه الفئة ستنمو بوتيرة أسرع من قدرة كثير من نظم الحماية والرعاية الحالية على الاستجابة لاحتياجاتها، ما لم تبدأ الحكومات الاستعداد مبكرًا.
تغير تدريجي في التركيبة العمرية
ولا تعني هذه التحولات أن أفريقيا ستفقد صفتها باعتبارها القارة الأكثر شبابًا؛ فالتقديرات الأممية تشير إلى أن نسبة الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا ستتراجع بصورة محدودة من 19.6% في 2024 إلى 18.4% في 2050، بينما يُتوقع أن يرتفع متوسط العمر في القارة من 19.2 عامًا إلى 24.4 عامًا خلال الفترة نفسها.
وتكشف هذه المؤشرات عن تحول تدريجي في الهيكل السكاني، يجمع بين استمرار الثقل الشبابي من جهة، واتساع شريحة كبار السن من جهة أخرى. كما توضح أن التحدي لا يتمثل في ارتفاع أعداد المسنين وحده، بل في ضرورة إدارة احتياجات فئات عمرية متعددة في وقت واحد، بما يشمل توفير فرص العمل للشباب، وضمان نظم تقاعد ورعاية صحية ملائمة لكبار السن.
اختبار للمعاشات واقتصاد الرعاية
وتضع هذه الأرقام الحكومات الأفريقية أمام اختبار مزدوج؛ فالقارة مطالبة باستثمار قاعدتها الشبابية في التنمية والإنتاج، وفي الوقت نفسه بناء نظم قادرة على تمويل المعاشات والتأمينات وتوفير الرعاية الصحية طويلة الأجل.
وتزداد أهمية هذا التحدي مع اتساع العمل في القطاع غير الرسمي والعمالة الموسمية والزراعية، وهي فئات قد لا تتمتع بتغطية تأمينية كافية، فضلًا عن تراجع قدرة الأسرة وحدها على تحمل مسؤولية رعاية كبار السن، في ظل الهجرة وتغير أنماط الأسرة وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل.
ومن هنا تكتسب الدعوة إلى تطوير «اقتصاد الرعاية» أهمية خاصة، باعتباره قطاعًا يمكن أن يوفر خدمات منزلية ومجتمعية وطويلة الأجل لكبار السن، ويخلق فرص عمل جديدة، ويخفف في الوقت نفسه العبء غير المدفوع الذي تتحمله النساء داخل الأسر.
الاستثمار في الشيخوخة يبدأ من الطفولة
وتطرح التحولات الديموغرافية مفهومًا أوسع للسياسات السكانية، لا يقتصر على التعامل مع الشيخوخة عند بلوغها، بل يبدأ بالاستثمار في صحة الأم والطفل والتغذية والوقاية من الأمراض وأنماط الحياة الصحية منذ المراحل الأولى للعمر.
وتعكس هذه الرؤية جوهر الدعوة التي طرحتها الدكتورة عبلة الألفي خلال الحوار، ومفادها أن شيخوخة السكان لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عبئًا ماليًا فقط، بل مرحلة من مراحل الحياة يمكن أن يظل خلالها كبار السن مشاركين في المجتمع والاقتصاد، بما يمتلكونه من خبرات وقدرات.
وبينما تملك أفريقيا فرصة ديموغرافية كبيرة بفضل شبابها، فإن المؤشرات الحالية تمنحها إنذارًا مبكرًا بضرورة بناء عقد اجتماعي جديد يوازن بين حقوق الأجيال، ويضمن ألا تتحول زيادة متوسط العمر إلى أزمة في المعاشات والخدمات الصحية، بل إلى امتداد لحياة أكثر صحة وكرامة وإنتاجًا.






