ليس هذا الكتاب استدعاءً لماضٍ منتهي الصلاحية، ولا نبشًا في أرشيفٍ غابر، بل قراءة كاشفة لجذرٍ ما زال حيًّا وفاعلًا. ما يفضحه منير العكش في تاريخ الولايات المتحدة، نراه اليوم ماثلًا أمام أعيننا، وإن تغيّرت الأدوات وتبدّلت الذرائع.
فالعقيدة التي برّرت إبادة السكّان الأصليين، هي ذاتها التي تبرّر اليوم بلطجة أمريكا على مستوى العالم، واختطافها للسيادة، والدول، بل وحتى الرؤساء.
من التاريخ إلى الحاضر
حين تقرأ هذا الكتاب في ضوء ما جرى ويجري، تتبدّى الصلة الفجّة بين الماضي والحاضر.
اختطاف رئيس دولة ذات سيادة مثل فنزويلا، ومحاولات الانقلاب السياسي والاقتصادي، ليست سلوكًا طارئًا، بل امتداد مباشر لمنطق «حقّ التضحية بالآخر» الذي يؤسّس له العكش.
الآخر هنا لم يعد الهندي الأحمر، بل أي شعب يرفض الانصياع، أو يجرؤ على الخروج من العباءة الأمريكية.
مذابح باسم الحرية
في العراق، حيث قُتل مئات الآلاف، ودُمّرت دولة كاملة تحت كذبة «أسلحة الدمار الشامل»، تتجلّى الإبادة الحديثة في صورتها الأوضح:
تفكيك المجتمع، سحق البنية، وإعادة تشكيل الخراب بوصفه ديمقراطية.
وفي أفغانستان، عشرون عامًا من الاحتلال، انتهت ببلاد محطّمة، وأجيالٍ مسحوقة، ثم انسحاب فجّ بلا اعتذار، ولا محاسبة، ولا حتى اعتراف بالجريمة.
نموذج يتكرّر
من فيتنام إلى أمريكا اللاتينية، ومن فلسطين إلى العراق وأفغانستان، يتكرّر النموذج ذاته:
شيطنة الضحية، تلميع الجلاد، ثم تصدير الجريمة في نشرة أخبار ناعمة.
وهنا تتجلّى خطورة ما يكتبه منير العكش: فالإبادة لم تعد مجازر فقط، بل سياسات، وعقوبات، وحصارات، وتجويع، وانقلابات، واغتيالات سياسية واقتصادية.
الكتاب كوثيقة إدانة
بهذا المعنى، يصبح «أمريكا والإبادات الجماعية» وثيقة اتهام تاريخية وأخلاقية، لا ضد الولايات المتحدة فحسب، بل ضد النظام الدولي الذي منحها صكّ الإفلات من العقاب.
كتاب يضع القارئ أمام حقيقة مُرّة: أن ما يُسوَّق اليوم بوصفه «نظامًا عالميًا»، ليس سوى نسخة محدثة من إبادة قديمة، بلباس قانوني وإعلامي أنيق.
هذا الكتاب
هذا كتاب يُقرأ بعينٍ مفتوحة على الحاضر، لا على الماضي فقط.
كتاب يفسّر لماذا تُفلت أمريكا من المحاسبة، ولماذا تتكرّر الجرائم، ولماذا يبقى الضحايا بلا صوت، إلا حين يكتب التاريخ من خارج حظيرة المنتصر.


