أثار الباحث والكاتب الدكتور أنور الخضري نقاشًا حول مسار الحركة الإسلامية الفلسطينية، وذلك في مقال مطول تناول فيه رؤيته لطبيعة التحولات التي شهدتها الحركة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في ما يتعلق بعلاقاتها الإقليمية وتحالفاتها السياسية، مؤكدًا أن الحفاظ على الهوية الفكرية التي تأسست عليها الحركة يمثل، من وجهة نظره، عنصرًا أساسيًا لاستمرار مشروعها.
ويستهل الخضري مقاله بالتأكيد على أن الحركة، منذ تأسيسها على يد الشيخ أحمد ياسين، قامت – بحسب وصفه – على مرجعية إسلامية واضحة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، باعتبارها جزءًا من المشروع الإسلامي العام، وليس امتدادًا للتيارات القومية أو اليسارية أو الوطنية التي برزت في مراحل مختلفة من تاريخ القضية الفلسطينية.
ويرى الكاتب أن الحركة استطاعت، على مدار سنوات، أن تحافظ على حضورها الشعبي بسبب ارتباطها بهذه المرجعية، معتبرًا أن هذا الجانب كان أحد أبرز عوامل تميزها مقارنة بفصائل فلسطينية أخرى. إلا أنه يعتقد أن التطورات الإقليمية، وما رافقها من حصار سياسي وعسكري، دفعت بعض مراكز التأثير داخل الحركة إلى توسيع نطاق العلاقة مع إيران بصورة تتجاوز – بحسب تقديره – حدود التنسيق السياسي والعسكري.
ويؤكد الخضري أن التحالفات السياسية والعسكرية بين حركات المقاومة والدول الداعمة تُعد أمرًا مفهومًا في ظروف الصراعات، إلا أنه يميز بين التحالف السياسي وبين ما يعتبره تحولًا في المرجعية الفكرية أو الخطاب الثقافي، مشددًا على أن أي تعاون خارجي يجب ألا ينعكس، من وجهة نظره، على هوية الحركة أو قاعدتها الفكرية.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين حركة حماس وإيران شهدت بالفعل مراحل متعددة من التقارب والتراجع خلال العقدين الماضيين، وفقًا للتطورات السياسية في المنطقة، إلا أن الكاتب يذهب في مقاله إلى استنتاجات تتعلق بالأبعاد الفكرية لهذه العلاقة، وهي استنتاجات تعبر عن رأيه الشخصي ولم تصدر بشأنها مواقف رسمية تؤكدها.
وفي سياق دعمه لرؤيته، يستشهد الخضري بتجارب تاريخية يرى أنها تعكس إمكانية الحفاظ على الهوية الفكرية رغم خوض صراعات طويلة، مشيرًا إلى تجربة حركة طالبان، التي يعتبر أنها خاضت مواجهة ممتدة مع القوات الأجنبية دون تغيير مرجعيتها الفكرية. ويقدم هذا المثال باعتباره نموذجًا يوضح، وفق رؤيته، إمكانية الفصل بين متطلبات الصراع العسكري والثبات على الأسس الفكرية.
كما يتناول الكاتب البعد التاريخي للقضية الفلسطينية، مستحضرًا فترة الاحتلال الصليبي للقدس، ويرى أن تحرير فلسطين في التاريخ الإسلامي لم يتحقق بمجرد الحماسة، وإنما جاء بعد إعداد سياسي وعسكري طويل وتوافر ظروف إقليمية مناسبة. ومن هذا المنطلق، يدعو إلى عدم ربط مشروع التحرير بجداول زمنية أو توقعات غير مستندة إلى معطيات واقعية، معتبرًا أن الإعداد المتدرج وبناء القدرات يمثلان خيارًا أكثر استدامة.
وينتقد الخضري ما يصفه بسيطرة الخطاب العاطفي والثوري على بعض المواقف السياسية، معتبرًا أن إدارة الصراعات تتطلب حسابات دقيقة تأخذ في الاعتبار موازين القوى والتغيرات الإقليمية والدولية، وأن تحقيق الأهداف الكبرى ينبغي أن يتم بأقل قدر ممكن من الخسائر البشرية والسياسية.
كما يطرح الكاتب رؤية تدعو إلى مراجعة داخلية في الحركة، ويرى أن استعادة المسار الذي تأسست عليه يتطلب، بحسب رأيه، تعزيز حضور القيادات التي يعتقد أنها أكثر ارتباطًا بالمرجعية الأصلية للحركة. ويعتبر أن مثل هذه المراجعات من شأنها المحافظة على ثقة القاعدة الشعبية واستمرار التأييد الذي تحظى به الحركة في محيطها العربي والإسلامي.
وفي ختام مقاله، يؤكد الخضري أن دعوته لا تستهدف التقليل من مكانة الحركة أو دورها في القضية الفلسطينية، بل يصفها بأنها تأتي من منطلق الحرص على استمرار مشروعها والحفاظ على هويتها. ويرى أن توجيه النقد الداخلي يمثل وسيلة للإصلاح وليس للتقليل من أهمية الحركة، معتبرًا أن الحفاظ على وحدتها الفكرية والتنظيمية سيعزز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.


