في السيرة النبوية برز تقليد عربي أصيل، موجود كذلك في المجتمعات الأخرى لكن بمستويات مختلفة، ألا وهو تقليد “الجوار”. و”الجوار” هو إضفاء شخص حمايته ودفاعه على شخص آخر طالبٍ للأمان مِن خصومه وأعدائه. فهو نظام له أركانه: المـُستجير والمـُجير والجِوار والـمُستجار مِنه، فالمستجير هو طالب الأمان والحماية، والمجير هو مانح الأمان والحماية للمستجير، والجوار هو إضفاء الأمان والحماية مِن المجير على المستجير، والمستجار مِنه هم خصوم المستجير وأعداءه. وبغضِّ النظر عن أسباب الاستجارة وغاياتها لدى المستجير والمجير فإنَّ “الجوار” كان تقليدًا عربيًّا قبل الإسلام، يهدف في عمومه لخلق حالة مِن الأمان لمـَن وقع في الخوف، لترك مساحة مِن السلم لعلَّ أسباب الخوف أن تعالج وتزول.
ويعدُّ “الجوار”، أو “الإجارة”، وجهًا مِن أوجه إبراز المكانة الاجتماعية والوجاهة القبلية بين الناس، فغالبًا ما كان يُعطي “الجوار” شيوخ القبائل ووجهاء القوم، باعتبارهم الأقدر على الحماية والدفاع عن مَن أتى مستجيرًا بهم. والجوار لا يُطلب عادة إلَّا عند الحاجة إليه، ولا يُشترط فيه أن يقيم المستجير قرب المجير، أو في جواره، وإنَّما يكفي أن يقيم حيث يكون لجواره أثر واعتبار، ويمكن الدفاع عن المستجير وحمايته، وعليه ينبغي أن يَعرِفَ المستجير حدود المجير.
و”الجوار” قد يكون عامًّا إزاء كلِّ شخص مهما يكن، أو مطلقًا دون حدٍّ زماني. وقد يتحمَّل المجير في سبيل إجارة المستجير عتبًا أو ملامة أو جَهدًا أو أذى. وكلُّ ذلك تحكمه أعراف وأخلاق يحتكم لها الجميع ولا يخرجون عليها.
وإنَّما يَطلُبُ الشخصُ “الجوارَ” عندما يعجز عن الدفاع عن نفسه، ولا يمكنه الفرار، ولا يجد ملجأ يأمن فيه. وقد يجير بعض شيوخ القبائل ووجهائها مَن يمكنه الفرار ويجد ملجأ يأمن فيه رعاية لحقِّ الشخص وفضله أو إبداءً لقوَّتهم وقدرتهم للدفاع والحماية.
هذا التقليد الاجتماعي لم يكن فقط في إطار النزاعات والخصومات الفردية، أو الجرائم الجنائية، وإنَّما كان يتجاوزه للساحة السياسية أيضًا، وفي ظروف الحرب؛ أي أنَّ المجتمع وجد جدوى هذا التقليد وعمَّمه في الشئون الأكثر احتياجًا له، عند الصراعات والحروب. وشبيه به اليوم اللجوء السياسي الذي يمنح لنشطاء رأي أو معارضين سياسيِّين أو متمرِّدين على سلطة بلادهم.
وقد جاء الإسلام وأقرَّ هذا التقليد الاجتماعي على الصعيدين الاجتماعي والسياسي والعسكري، وهذَّبه بما يجعله أكثر نفعًا وأضبط مسلكًا، إذ رأى فيه نفعًا للناس وحقنًا للدماء. وإنَّ منح الإنسان فرصة أمان تعيد له رشده وطاقته ضرورة يجدها كلُّ مَن يتعرَّض لخطر محدق وتهديد وجودي، ذلك أنَّ الخوف يشلُّ التفكير ويضعف الطاقة، والإسلام ينزع عن الإنسان أيَّ عامل يضعف مِن قدرته العقلية والنفسية طالما وأنَّ هناك أملًا لإنقاذه. يقول تعالى في سورة التوبة: ((وَإِن أَحَدٌ مِّنَ الـمُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّىٰ يَسمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبلِغهُ مَأمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لَّا يَعلَمُونَ))، آية: 6.
الجوار في السيرة النبوية:
في ظروف وأحداث معيَّنة، ومع تحوُّلات وتغيُّرات متقلِّبة، قد يصبح القويُّ ضعيفًا والعزيز ذليلًا وذا المنعة مكشوفًا، فيكون هدفًا للأقوياء مِن خصوم أو أعداء، فلا يمكنه الفرار ولا يجد ملجأً آمنا، فيحتاج لمـَن يحتمي به كي يأمن على نفسه، وربَّما على عرضه وماله. وقد ثبت في السيرة النبوية، أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم، بعد عودته مِن الطائف وخذلان ثقيف له، دخل مكَّة في جوار المطعم بن عدي، وكان ذلك في السنة العاشرة للبعثة؛ فإنَّه لـمَّا انتهى إلى مكَّة، أرسل رجلًا مِن خزاعة إلى المطعم بن عدي: أن أدخل في جوارك؟ فقال: نعم. فدعا المطعم بنيه وقومه، وقال لهم: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإنِّي قد أجرتُ محمَّدًا، فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ومعه زيد بن حارثة، حتَّى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم على راحلته، فنادى: يا معشر قريش.. إنِّي قد أجرت محمَّدًا، فلا يهجه أحد مِنكم. فانتهى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى الركن، فاستلمه وصلَّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم وولده محدقون به بالسلاح حتَّى دخل بيته.
كما دخل أبو بكر الصدِّيق -رضي الله عنه- في جوار ابن الدغنَّة، حيث أصابه أذى قريش وبغيها، فاستأذن رسول الله في الهجرة فأَذِن له، فخرج أبو بكر مهاجرًا، حتَّى إذا سار مِن مكَّة مسيرة يوم أو يومين لقيه ابن الدغنَّة، وهو يومئذ سيِّد الأحابيش، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي وآذوني وضيَّقوا عليَّ. قال: ولِمَ؟! فوالله إنَّك لتزِين العشيرة، وتُعِين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فإنَّك في جواري. فرجع أبو بكر معه، حتَّى إذا دخل مكَّة، فقام ابن الدغنَّة فقال: يا معشر قريش.. إنِّي قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرض له أحدٌ إلَّا بخير.
“الجوار”.. المعاصر:
في العالم المعاصر اقتسمت دول العالم الأرض حتَّى ما عاد شبر مِنها خارج هذه الدول، فخارطة الأرض موزَّعة على الدول، ما يجعل الفارَّ بنفسه أمام أفق مسدود أحيانًا، خصوصًا وأنَّ الدول تحصِّن نفسها بحدود وقيود وقوانين -محلِّية ودولية، ما يصعِّب الانتقال بينها والحركة فيها. ولهذا تواجه حركات المقاومة أو التحرًّر أو التمرُّد أو المعارضة اليوم مِن الصعوبات أكثر ممَّا كانت تواجهه في الماضي، قبل نشوء ما يسمَّى بالنظام والقانون الدولي والأمم المتَّحدة وترسيم حدود الدول بشكل ثابت. وهنا تحتاج هذه الحركات إلى “جوار” أيِّ قوَّة راعية وحامية، بحيث تجد أمانًا لبناء قدراتها ومسرحًا لحركتها ومنفذًا لانتقالاتها، إذ أنَّ حصارها ضمن قوَّة الدولة وقدراتها يضعفها ويقضي عليها تدريجيًّا، ولولا ذلك لكتب على كثير مِن حركات المعارضة والمقاومة والتمرُّد الفناء.
مِن هنا يمكن قراءة كثير مِن الحركات التي نجحت وفق عامل “الجوار”، وإن لم يكن بهذه الصيغة التاريخية، كحركة “طالبان” و”هيئة تحرير الشام”؛ فكلا الحركتين تمكَّنتا مِن تحقيق أهدافهما عمليًّا على الأرض في ظلِّ وجود “جار” و”جوار” يدعمهم ويحمي ظهورهم، فقد كان لباكستان ولتركيا دور كبير في تحقيق كلٍّ مِن الحركتين لغاياتهما السياسية في ظروف لم يكن لتتيح لها ذلك لولا “الجوار” الذي قدَّماه للحركتين. هذا بغضِّ النظر عن أيِّ تباين أو خلاف قد ينشأ لاحقًا بين هذه الحركات والجار المجير، فمِن الطبيعي ألَّا يكون هناك تطابق وتوافق تامٌّ بين المستجير والمجير في هكذا أحوال مستقبلًا.
وممَّا يفرض الجار والجوار اليوم هذا النظام أحاديُّ القطب، والذي يحاول الهيمنة على العالم بنفوذ هرمي تتوزَّع فيه المسئوليَّات على دول إقليمية كبرى تابعة أو حليفة. إذ أنَّ وجود نظام دولي متعدِّد الأقطاب كان يتيح للحركات المعارضة والمقاومة والمتمرِّدة خيارات عدَّة وبدائل متنوِّعة لبناء قدراتها وتوسيع حركتها وإطلاق عمليَّاتها. أمَّا في ظلِّ انهيار ذلك النظام متعدِّد الأقطاب وتوحُّش القطب الأوحد، وعجز القوى الأخرى في التصدِّي له، فإنَّ التيَّار الجارف يسير بتوجيهه وفي الوجهة التي يريدها، وعلى أيِّ راغب في مقاومته أن يتمسَّك بصخرة راسخة وإلَّا جرفه التيَّار وقذف به في مصبِّ الرواسب.
ضرورات “الجوار”:
إذا لم تمتلك حركات المعارضة أو المقاومة أو التحرير منطلقًا مؤمَّنًا (جغرافيا تعمل فيها وتنطلق مِنها)، وسلاحًا وعتادًا بكلِّ ما يتطلَّبه مِن طرق إمداد وإسناد، ومنظومات دفاع وتواصل واتِّصال، وما تتطلَّبه المعركة السياسية أو العسكرية مِن لوازم وإعدادات، فإنَّها وإن ثبتت وقتًا مِن الزمن وأثبتت تضحية وفداءً إلَّا أنَّها ستؤول إلى عجز بيِّن أو خسارة فادحة، إذا لم يتوفَّر لها الجار والجوار. وما جرى في قطاع غـ.ـزَّة يثبت أنَّ المقاومة التي جاهدت بأحسن ما يحضرها مِن إعداد وتجهيز وتدريب وتضحية وفداء افتقدت في ساعة العسرة الجار والجوار، حيث أغلقت عليها المنافذ وسدَّت عليها السبل ومِنع عنها الإمداد إلا بالشيء اليسير. ورغم أنَّ الحركة بذلت كلَّ ما في وسعها كي تكون على علاقة حسنة بالنظام في مصر إلَّا أنَّ النظام المصري الحاكم قابلها بالصدِّ والعنت، فلم يتخلَّق بأخلاق الإسلام أو العروبة.
قديمًا كانت الجغرافيا مفتوحة وأرض الله واسعة، ولا يمكن للدول أن تتحكَّم بكلِّ الطرق والمنافذ، ولا تملك مِن الوسائل ما يجعلها ترصد كلَّ شاردة وواردة، وتتنصَّت على كلِّ همس ونجوى. وكانت موازين القوى متعادلة عادة بين السلطة الحاكمة والقوى المعارضة إذ لا تمتاز السلطة إلَّا بمزيد عُدد وعتاد ورجال، أمَّا الإمكانات فهي متشابهة لدى الطرفين. اليوم، تمتلك الدول مِن الوسائل والأجهزة والمعدَّات والعتاد وغيرها ما يفوق أيَّ حركة معارضة أو مقاومة أو متمرِّدة أضعافًا مضاعفة، بل لا تكاد توجد مقارنة. وهذا يضاعف على تلك الحركات الجهد والابتكار لمواجهة ذلك. وهي لن تكون في غنى عن “جوار” تدخل فيه حتَّى تعمل بأمان وسلام واستقرار، ولو على سبيل الكره لا الرضا.
بل إنَّ جزءًا مِن تركيبة المنظومة الدولية اليوم هي انحياز الدول الصغرى والضعيفة إلى ما تسمِّيه تحالفًا مع الدول الكبرى، التي تفوقها بمراحل في كلِّ إمكانات الاستخبارات والحروب والتأثير؛ وهي صيغة جديدة للمعاهدات التي كانت توقِّعها إمارات وسلطنات القرن الثامن عشر والتاسع عشر ومطلع العشرين مع الدول الإمبراطورية المحتلَّة، كبريطانيا، للحماية والرعاية. إنَّ هذه التحالفات وتلك المعاهدات ما هي في حقيقة الأمر إلَّا “جوار”، يقدِّم فيه المستجير للمجير مقابلًا مادِّيًّا أو معنويًّا مقابل حمايته مِن أي اعتداء وأذى. وما كان للإمارات والسلطنات تلك أن تبقى لولا هذه المعاهدات، وإلا تجرَّأ عليها الطامعون في ظلِّ موازين القوى المتقاربة والتي تتيح قدرًا مِن احتمال الفوز والغلبة إذا توفَّرت الظروف وصدقت التضحيات.
ختاما..
هذا المقال هي خواطر أوَّلية يمكن أن تعطى حقَّها مِن التدارس والنقاش والتباحث والحوار والبناء عليها والتطوير لإدراك طبيعة الصراعات المعاصرة وما يتَّصل بها مِن معاني لم تخل مِنها الخبرة الإنسانية والتجربة البشرية.


