يقدم المحلل والكاتب باولو فون شيراخ، رئيس معهد السياسة العالمية، قراءة تفكيكية تحذيرية للمشهد المالي والطاقي في الولايات المتحدة.
ويناقش الكاتب التناقض الصارخ بين الواقع الإنتاجي الراهن للولايات المتحدة واحتياطياتها المؤكدة؛ إذ يرى أن تحول واشنطن إلى أكبر منتج للنفط عالمياً بتجاوزها 13 مليون برميل يومياً لا يعكس بالضرورة استقراراً استراتيجياً طويلاً الأجل، بل يحجب تحته هشاشة هيكلية تهدد بنفاذ المخزون المحلي خلال عقد واحد.
أوهام القوة وتحول الموردين
شهدت الهيكلية النفطية الأمريكية تحولاً جذرياً مقارنة بحقبة السبعينيات التي ارتهنت فيها واشنطن لنفط الشرق الأوسط، ورغم وصول الاستهلاك إلى 20 مليون برميل يومياً، تحولت التغطية نحو الجوار الجغرافي استناداً على مقاطعة ألبرتا الكندية والمكسيك.
ثورة التكسير وتكاليف الاستخراج
يرجع فضل النهضة الهيدروكربونية للابتكار التقني الذي قاده جورج ميتشل عبر الدمج بين التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، غير أن هذه التقنية تفرض كلفة استخراج باهظة تتراوح بين 25 و40 دولارا للبرميل، مقارنة بإنتاج سعودي لا يتجاوز 8 دولارات.
حسابات النفاذ ونزيف الاحتياطي
يكشف الحساب المباشر لبنك البيانات الأمريكي عن مخزون مؤكد لا يتجاوز 46 مليار برميل، وأمام استخراج سنوي يناهز 4.96 مليار برميل، تتجه الاحتياطيات الأمريكية للنفاذ الكامل خلال 9.3 سنوات، بخلاف المخزون السعودي الممتد لـ 82 عاماً والاحتياطي الفنزويلي الضخم.
صفقة كراكاس وشريان الحياة
تكتسب ترتيبات واشنطن الأخيرة مع فنزويلا أهمية استراتيجية حاسمة لتفادي أزمة الجفاف الطاقي. ويوفر استحواذ الشركات الأمريكية على حصة تقدر بـ 65 مليار برميل من النفط الفنزويلي الثقيل عمراً إضافياً يمتد لـ 13.4 سنة من الاستهلاك والتكرير المحلي.
تحليلات الوكالات والموقف الخبير
ونقلت وكالة “رويترز” عن خبراء طاقة أن التقديرات الرقمية المحسوبة تضع التخطيط الاستراتيجي بواشنطن أمام معضلة إعادة بناء الآبار المتهالكة بكلفة استثمارية ضخمة، وأكدت تحليلات “بلومبرغ” أن الشراكة مع كراكاس صُممت خصيصاً لتغذية المصافي الأمريكية الواقعة على خليج المكسيك.
رهانات التحوط
تطرح ورقة باولو فون شيراخ أبعاداً خطيرة حول المستقبل الجيوسياسي للولايات المتحدة في حال استمرار استنزاف الآبار الصخرية دون اكتشافات هيدروكربونية نوعية.
ويؤكد هذا الطرح التحليلي أن العظمة النفطية الأمريكية الراهنة هي حالة مؤقتة محكومة بسقف زمني حرج لا يتجاوز العقد، مما يفسر التحركات الأمريكية الأخيرة لتأمين مكامن النفط الثقيل في كراكاس.
وتظل قدرة واشنطن على استدامة مكانتها كقوة عظمى للطاقة مرهونة بضخ استثمارات هائلة لتطوير حقول أمريكا اللاتينية، بالتوازي مع تسريع تدفقات التحول نحو الطاقات البديلة قبل صمت الآبار المحلية.