افتتحت إثيوبيا، اليوم الثلاثاء، رسميًّا أكبر سدّ كهرومائي في أفريقيا، في مشروع من شأنه تزويد ملايين الإثيوبيين بالطاقة الكهربائية، لكنه يعمّق في الوقت نفسه الخلاف مع مصر الواقعة في مجرى النهر الأدنى، وهو خلاف ألقى بظلاله على استقرار المنطقة.
وقال مستشار وزير المياه والطاقة الإثيوبي إن بلاده تسعى عبر التفاوض الجاد لتهدئة مخاوف دول الجوار بشأن سد النهضة.
ويشير تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية إلى أن “سد النهضة الكبير” الذي يشكل مصدر اعتزاز لإثيوبيا، هو موضع إجماع نادر الحصول في بلد يشهد عدة نزاعات مسلحة، بعضها لا يزال جاريا، لا سيما في منطقتي أوروميا وأمهرة، ثاني أكبر أقاليم البلد من حيث التعداد السكاني، وبعضها انتهى كما في إقليم تيغراي حيث توقفت الحرب في 2022 بعدما أوقعت 600 ألف قتيل، بحسب تقديرات الاتحاد الأفريقي.
ويقع المشروع منذ وضع حجره الأساس في صلب لعبة جيوسياسية إقليمية كبرى، ويواجه انتقادات شديدة من مصر التي تعتبره تهديدا وجوديا لها إذ قد يؤدي إلى تراجع مواردها المائية.
وقال رئيس الوزراء آبي أحمد إن إثيوبيا ستستخدم الطاقة الناتجة لتحسين وصول مواطنيها إلى الكهرباء، مع تصدير الفائض إلى دول المنطقة.

مخاوف مصرية وسودانية
لكن دول المصب تابعت تقدم المشروع بقلق بالغ. فمصر، التي شيّدت السد العالي في أسوان في ستينيات القرن الماضي، تخشى أن يؤدي سدّ النهضة إلى تقليص حصتها من المياه في فترات الجفاف، ويفتح الباب أمام إقامة سدود أخرى في أعالي النيل.
وعارضت القاهرة المشروع بشدة، معتبرةً أنه ينتهك اتفاقيات مياه تعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، ويمثل تهديدًا وجوديًّا لها.
وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 108 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين نحو 90% من احتياجاتها من المياه العذبة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، تميم خلف، لرويترز الاثنين، إن مصر ستواصل متابعة التطورات على النيل الأزرق عن كثب، و”ستمارس حقها في اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة للدفاع عن مصالح الشعب المصري وحمايتها”.
وانضم السودان إلى دعوات مصر للتوصل إلى اتفاقات قانونية ملزمة بشأن ملء وتشغيل السد، لكنه قد يستفيد أيضًا من تحسين إدارة الفيضانات والحصول على طاقة رخيصة.
وكان موقف القاهرة قد حظي بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، إذ وصف الوضع بأنه خطير، وقال إن القاهرة قد تنتهي إلى “تفجير ذلك السد”، لكن إدارته فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن المشروع، رغم سنوات من المفاوضات التي لم تثمر أي نتيجة.

إثيوبيا: مشروع سيادي وفرصة مشتركة
مؤكدةً أن تطوير المشروع حق سيادي، واصلت إثيوبيا العمل فيه، وبدأت عام 2020 ملء الخزان على مراحل، كما أكدت أن السد لن يلحق ضررًا كبيرًا بدول المصب.
وقال آبي أحمد أمام البرلمان في يوليو/ تموز الماضي “سد النهضة ليس تهديدًا، بل فرصة مشتركة. الطاقة والتنمية التي سيوفرها ستنهض بإثيوبيا، ولن تقتصر فوائدها عليها”.
وتشير أبحاث مستقلة إلى أنه لم تُسجَّل حتى الآن اضطرابات كبيرة في تدفق المياه إلى دول المصب، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى وفرة الأمطار واتباع سياسة ملء حذرة خلال مواسم الأمطار على مدى 5 سنوات.
وبحسب وسائل إعلام محلية، موّل البنك المركزي الإثيوبي 91% من تكلفة المشروع، في حين ساهم المواطنون بنسبة 9% عبر شراء السندات والتبرعات، من دون أي دعم خارجي.
ويرى مات برايدن من مركز أبحاث “ساهان” أن العلاقات مع مصر تد+++هورت خلال العام الماضي، وقد تتفاقم أكثر. فخطة إثيوبيا، الدولة الحبيسة، للحصول على منفذ بحري عبر خصميها السابقين إريتريا أو الصومال، دفعت مصر إلى دعم أسمرا ومقديشو.
وأضاف برايدن أن فكرة أن تتحكم مصر، الخصم الاستراتيجي، ليس فقط في استخدام مياه النيل، بل أيضًا في الوصول إلى البحر الأحمر، أمر غير مقبول بالنسبة لأديس أبابا.
وتم إطلاق مشروع “سد النهضة الإثيوبي الكبير” في أبريل/نيسان 2011 بميزانية بلغت 4 مليارات دولار. ويعد أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر وارتفاعه 145 مترا، في حين تصل سعته إلى 74 مليار متر مكعب من المياه
وتعدّ إثيوبيا، ثاني أكبر دولة أفريقية (120 مليون نسمة)، سدّ النهضة الإثيوبي الكبير محورًا أساسيًّا في طموحاتها للتنمية الاقتصادية، وبلغت تكلفته 5 مليارات دولار، ويُقام على النيل الأزرق أحد روافد نهر النيل.

مصر ترفض السياسات الأحادية الإثيوبية
وكانت أعلنت مصر -الأحد- توجيه خطاب إلى مجلس الأمن الدولي، بشأن تطورات سد النهضة الإثيوبي، أكدت فيه استعدادها لجميع التدابير للدفاع عن وجودها ومصالحها ومقدرات شعبها.
وقالت مصر إن سياسات أديس أبابا ستكون لها آثار سلبية على دولتي المصب: مصر والسودان.
جاء ذلك في بيان للخارجية المصرية، وسط توتر منذ أكثر من عقد بين القاهرة وأديس أبابا بسبب خلافات حول ملء السد وتشغيله، وبعد أيام من انتقادات إثيوبية للتعاون المصري العسكري مع الصومال.
وترفض إثيوبيا توقيع اتفاق تقول مصر إنه سيحفظ حقوقها المائية (55.5 مليار متر مكعب سنويا).
ووجه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خطابه إلى مجلس الأمن، إثر التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن المرحلة الخامسة من ملء سد النهضة.
وقال الوزير المصري إن تصريحات آبي أحمد عن حجز كمية من مياه النيل الأزرق هذا العام واستكمال بناء الهيكل الخرساني للسد الإثيوبي تُعد غير مقبولة جملة وتفصيلا للدولة المصرية، وتمثل استمرارا للنهج الإثيوبي المثير للقلاقل مع جيرانها والمهدد لاستقرار الإقليم، على حد قوله.
وأكد عبد العاطي رفض مصر القاطع للسياسات الأحادية الإثيوبية المخالفة لقواعد ومبادئ القانون الدولي.
وأوضح أن انتهاء مسارات المفاوضات بشأن سد النهضة، بعد 13 عاما من التفاوض بنيات مصرية صادقة، جاء بعدما اتضح للجميع أن أديس أبابا ترغب فقط في استمرار وجود غطاء تفاوضي لأمد غير منظور بغرض تكريس الأمر الواقع، من دون وجود إرادة سياسية لديها للتوصل لحل، حسب تعبيره.


