رأي الداعية والكاتب البوركيني محمد الأمين سوادغو إن إرسال القوات الجزائرية إلى النيجريعد خطأ استراتيجي قد يهدد الحسابات الأمنية لكونفدرالية دول الساحل فالنيجر دولة مستقلة، قادرة على حماية أرضها وسيادتها، ولا تحتاج إلى الجيش الجزائري للقيام بهذه المهمة.
وتناول سوادغو في تفريدة مطولة له علي منصة “أكس ” أبرز الأخطاء الاستراتيجية المحتملةلهذا القرار ، وانعكاساتها على المعادلات الأمنية لكونفدرالية لدول الساحل ، وذلك لعدة أسباب، اختلاف التوجهات الجيوسياسية بين النيجر والجزائر:
خصوصا أن الجزائر اليوم محسوبة على الجبهة الغربية بقيادة فرنسا وأمريكا بامتياز، بينما النيجر اليوم محسوبة على الجبهة الشرقية، أي روسيا والصين وحلفائهما، وهما جبهتان متناقضتان تمامًا. فالنيجر، إلى جانب بلدان اتحاد الساحل ، تسير في مسار فك الارتباط بالنفوذ الغربي تمامًا، بينما السياسة الخارجية الجزائرية مختلفة تمامًا، وهذه معضلة كبيرة.
فالنيجر، وفقا منذ انقلاب يوليو 2023 والإطاحة بمحمد بازوم ومجيء الجنرال عبد الرحمن تباني، اتجهت إلى إنهاء الوجود العسكري الفرنسي والأمريكي، وتعزيز علاقاتها مع شركاء آخرين، وفي مقدمتهم روسيا وتركيا وغيرهما، ضمن تحول أوسع في سياستها الخارجية.
الجزائر والمحور الغربي
أما الجزائر، والكلام مازال للداعية البوركيني فعلى الرغم من تاريخها الطويل من الصراع مع الاستعمار الفرنسي، فإنها لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية قوية جدًا مع فرنسا، مع استمرار الخلافات والتوترات أحيانًا بين البلدين.
حيث شهدت العلاقات الفرنسية الجزائرية خلال عام 2026 سلسلة من الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، في مسعى لإعادة فتح قنوات الحوار بعد أزمة دبلوماسية حادة. وهذه الزيارات مهمة لفهم التباين بين المقاربة الجزائرية والمقاربة النيجرية في التعامل مع فرنسا والنفوذ الغربي.

وبالمقابل، نلاحظ تزامن الهجمات الإرهابية على عاصمة النيجر، نيامي، مع زيارات المسئولين الفرنسيين للجزائر حيث وقع هجوم عسكري ليلة 28–29 يناير، واستهدف القاعدة الجوية 101 داخل مجمع المطار في العاصمة نيامي، حيث أعلنت السلطات النيجرية حينها مقتل 20 مهاجمًا وإصابة أربعة عسكريين، مؤكدة أن تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي (داعش) في الساحل يقف وراء الهجوم.
وفي 18 يونيو 2026، تعرض المطار والقاعدة الجوية المجاورة في العاصمة نيامي لهجوم مسلح آخر، أسفر، وفق المعطيات المعلنة، عن مقتل 11 عسكريًا ومدنيين اثنين، إضافة إلى مقتل 22 من المهاجمين، ونُسب الهجوم إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة إياد أغ أغالي.
ووردت تقارير عن إطلاق نار وانفجارات بالقرب من المطار والقاعدة الجوية في 29 أغسطس 2026، دون توافر معلومات مستقلة كافية لتأكيد تفاصيل الحادث والجهة المسؤولة عنه.
هجمات في النيجر
وبذلك، يمكن الحديث عن هجومين بارزين على مجمع المطار خلال عام 2026، إلى جانب حادث أمني لاحق في محيطه لم تتضح جميع ملابساته. وهو ما يسلط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجهها النيجر حتى في العاصمة، ولا سيما فيما يتعلق بحماية المنشآت العسكرية والاستراتيجية.
فزيارة القيادات الفرنسية إلى الجزائر، جارة النيجر، بالتزامن مع الهجمات الإرهابية المتعددة على مدينة نيامي، عاصمة النيجر، تدعو المتابع إلى التفكير العميق، حيث سُجّلت ثلاثة هجمات أو حوادث أمنية كبرى مرتبطة بمطار نيامي ومحيطه خلال عام 2026 وحدها، وهذا يدعو كل سياسي محنك إلى التأمل والتريث في إرسال أي قوات عسكرية جزائرية إلى النيجر، من باب الوقاية والتحفظ من دولة صديقة لفرنسا، يزورها القيادات الأمنية الفرنسية والعسكرية العليا باستمرار، كما أن الجزائر ليست بأحسن حال أمنيًا واقتصاديًا من النيجر.
واستدرك سوادغو متسائلا : لماذا تتعاون النيجر مع روسيا وتركيا وتسكت عنها، بينما تعترض على إدخال الجيش الجزائري إلى النيجر؟ فأقول بكل وضوح: إن روسيا وتركيا قوتان عسكريتان عالميتان؛ روسيا ثاني أقوى دولة في العالم بعد أمريكا، وتركيا دولة صناعة كبرى في الشرق الأوسط، جاءت على رأس الدول المالكة لأفضل المسيرات في العالم. وهي لا تُقارن بالجزائر عسكريًا؛
فالتعاون العسكري مع أمثالهما يختلف عن التعاون مع الجزائر، التي تعيش في وضع مشابه للنيجر تمامًا، ولا فرق كبير بينهما، فالجزائر أكبر مستورد للأسلحة من روسيا في أفريقيا، ولا تصنع المسيرات، وهي دولة ريعية، لا يمكنها نزع شوكة النيجر بينما هي تعاني ظروفًا اقتصادية قاسية واضطرابات سياسية داخلية.
دول الساحل والقدرات العسكرية
ما الخطأ الاستراتيجي الثالث المتعلق بإرسال قوات جزائرية للنيجر فيتعلق بأن اعداد القوات النوعية للنيجر كفيل بحماية البلدان الثلاثة لاسيما أنه بإمكان اتحاد دول بوركينا فاسو والنيجر ومالي، تكوين قوة قوية نوعية قوامها 60 ألف عنصر أو أكثر، لحماية البلدان الثلاثة من الهجمات الإرهابية المتعددة، حيث يبلغ مجموع سكان كونفدرالية دول الساحل (AES)، التي تضم هذه الدول الثلاث، نحو 77.2 مليون نسمة، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، إلى جانب مساحة جغرافية تتجاوز 2.7 مليون كيلومتر مربع.
فإذا عجز اتحاد دول الساحل الثلاث عن تكوين جيش قوي وتمويله لحماية نفسه من الهجمات المسلحة ، فإن القوات الأجنبية، الروسية أو الجزائرية أو غيرهما، وفقا لسوادغو أعجز عن حمايتهم. ما حكّ ظهرك مثل ظفرك.

ومضي الكاتب البوركيني للقول لكننا لا نعرف لماذا يعجز الاتحاد عن تكوين هذه القوة الضخمة النوعية حتى الآن. هل هو ضعف الإمكانيات المادية، بينما بلدان الاتحاد بين نفط ويورانيوم وجبال من الذهب؟ أم خوف من تلك القوات بعد القضاء على الإرهاب؟
المصالحة بين الجزائر ومالي
كما أن المصالحة السياسية بين الجزائر والنيجر ومالي لا تزال في مهدها فلا يخفى على كل متابع أن دولة مالي اتهمت الجزائر بتهم خطيرة جدًا قبل المصالحة الأخيرة التي أُعلن عنها في يوليو 2026، من أبرزها دعم الجماعات المسلحة والانفصالية في شمال مالي، والتدخل في الشؤون الداخلية للدولة، والتواطؤ مع الجماعات الإرهابية، وإيواء قادة الانفصاليين المطلوبين من باماكو.
ومن المهم الإشارة إلي ان تاريخ هذه التهم قريب جدًا، وحبرها لم يجف بعد. ففي يناير 2025، اتهمت الحكومة المالية الجزائر بالتقارب والتواطؤ مع جماعات مسلحة تنشط في شمال مالي، وقالت إن السلطات الجزائرية وفرت لبعضها المأوى والدعم اللوجستي. كما اعترضت باماكو على موقف الجزائر الداعي إلى الحوار مع الجماعات الموقعة على اتفاق الجزائر للسلام لعام 2015 الذي يكرس تقسيم دولة مالي.
وفي أبريل 2025، اتهمت مالي الجزائر بإسقاط طائرة مسيّرة عسكرية مالية قرب الحدود المشتركة، ووصفت الحادث بأنه عمل عدائي متعمد لحماية قادة انفصاليين إرهابيين. في المقابل، أكدت الجزائر أن الطائرة اخترقت مجالها الجوي ونفذت مناورات اعتبرتها تهديدًا أمنيًا. وأدى التصعيد إلى سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي أمام طائرات البلدين.
وكان خطاب رئيس الوزراء المالي، الجنرال عبد الله مايغا، أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 26 سبتمبر 2025، ثم مداخلة الوفد المالي في حق الرد يوم 29 سبتمبر 2025، واضحين في موقفهما ضد الجزائر.

وتابع سوادغو قائلا : كلها اتهامات إعلامية خطيرة قيلت في حق الجزائر، وعن الإعلام الداخلي في باماكو وغيرها، حدث ولا حرج. وقد انتقلت الاتهامات المالية من الخلاف بشأن إسقاط طائرة مسيّرة عسكرية إلى اتهام الجزائر بالتدخل في الشؤون الداخلية لمالي ودعم الجماعات المسلحة الإرهابية.
لهذه الأسباب وغيرها، التي أحتفظ عن ذكرها، وفقا لسوادغو أعترض وبشدة على إدخال الجيش الجزائري إلى النيجر، حفاظًا على أمنها القومي وأمن اتحاد دول آيس
وأرى أن تقديم قاعدة عسكرية للجزائر أو نشر قوات عسكرية لها في النيجر تحت أي مبرر قرار خاطئ تمامًا، وأدعو القيادة المحترمة في النيجر إلى إلغاء هذا القرار.


