أثارت عودة تنفيذ أحكام الإعدام في شرق ليبيا خلافًا جديدًا بين السلطات المحلية وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بعدما أعلنت البعثة أن أكثر من 30 شخصًا أُعدموا خلال الأسابيع الأخيرة، ودعت إلى الوقف الفوري لأي عمليات إعدام إضافية، بينما دافعت شخصيات ومسؤولون في شرق البلاد عن الأحكام، مستندين إلى إدانة المحكوم عليهم في قضايا تتصل بالإرهاب والقتل.
وقالت البعثة الأممية، في بيان صدر في 16 سبتمبر، إنها تشعر بقلق بالغ إزاء تنفيذ هذه الأحكام، موضحة أنها أجرت منذ ظهور التقارير الأولى اتصالات مكثفة مع السلطات المعنية على المستويين السياسي والفني، وحثتها على تعليق عمليات الإعدام وإخضاع القضايا لمراجعة دقيقة وذات مصداقية، بما يتوافق مع التزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان والقانونين الوطني والدولي.
وأضافت البعثة أنها تأسف لاستمرار تنفيذ الأحكام رغم هذه الاتصالات، ودعت السلطات في شرق ليبيا إلى التعاون مع فريق حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لمراجعة الإجراءات المتبعة، بما يضمن احترام معايير المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة، مع مراعاة حقوق الضحايا وأسرهم.
وفي المقابل، أثارت مواقف البعثة انتقادات من شخصيات ومحللين مقربين من السلطات العسكرية في شرق ليبيا، الذين قالوا إن التركيز على أحكام الإعدام يتجاهل، من وجهة نظرهم، الجرائم التي ارتكبتها الجماعات المسلحة والتنظيمات المصنفة إرهابية خلال سنوات الصراع الليبي.
واستند هؤلاء إلى سجل تنظيم «داعش» في مدن عدة، ولا سيما درنة وسرت، حيث تمكن التنظيم من بسط نفوذه منذ عام 2014، قبل أن تتراجع سيطرته على معاقله الرئيسية في وسط وشرق البلاد خلال العمليات العسكرية التي شهدتها ليبيا في السنوات التالية.
وقال محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، منتقدًا موقف البعثة، إن مكافحة الإرهاب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم يجب ألا تُغفل عند مناقشة ملف أحكام الإعدام، مستحضرًا ما وصفه بالانتهاكات التي ارتكبتها التنظيمات المسلحة في عدد من المدن الليبية.
وكان مكتب المدعي العام العسكري التابع للقيادة العامة للقوات المسلحة في شرق ليبيا قد أعلن في 23 أغسطس تنفيذ أحكام إعدام رميًا بالرصاص بحق 10 أشخاص أدينوا، بحسب البيان، بجرائم مرتبطة بالإرهاب واغتيالات استهدفت عسكريين ومدنيين.
وقال المكتب إن الأحكام صدرت عن المحكمة العسكرية العليا بعد مداولات استمرت سنوات، وإن إجراءات الادعاء والدفاع استُكملت قبل تنفيذها. ولم يقدم البيان تفاصيل موسعة عن القضايا أو الأدلة التي استندت إليها الأحكام.
وأثارت عمليات الإعدام انتقادات منظمات حقوقية، ركزت بصورة خاصة على طبيعة المحاكمات أمام القضاء العسكري وضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع. وقالت منظمة «محامون من أجل العدالة في ليبيا» إن تقارير الإعدام أثارت مخاوف بشأن الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة، مشيرة إلى أن بعض من أُعدموا عُرفوا لديها بأنهم مدنيون.
كما قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات في شرق ليبيا استأنفت تنفيذ أحكام الإعدام للمرة الأولى منذ عام 2010، وإن ما لا يقل عن 30 شخصًا أُعدموا منذ 23 أغسطس، بينما يواجه عشرات آخرون خطر تنفيذ الأحكام بحقهم. وتستند المنظمة في هذه الأرقام إلى أبحاثها ومعلومات جمعتها من مصادر حقوقية ومحلية.
وفي 11 سبتمبر، أدانت حكومة الوحدة الوطنية استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق سجناء في المنطقة الشرقية، وطالبت بوقفها ومراجعة أوضاع المحكوم عليهم، مؤكدة ضرورة ضمان حقهم في المحاكمة العادلة والدفاع والاستعانة بمحامٍ والتواصل مع ذويهم.
وتقول بعثة الأمم المتحدة إنها لا تتجاهل مسؤولية السلطات الليبية عن حماية المواطنين ومحاسبة مرتكبي الأعمال الإرهابية والجرائم الخطيرة، مؤكدة في الوقت نفسه أن هذه المسؤولية يجب أن تُمارس بما يتفق مع التزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان.
ويعيد ملف الإعدامات إلى الواجهة قضية أوسع تتعلق بانقسام المؤسسات القضائية والأمنية في ليبيا وتباين المعايير والإجراءات بين مناطق النفوذ المختلفة، في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى دفع الأطراف الليبية نحو توحيد المؤسسات وتعزيز سيادة القانون.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الخلاف لم يعد مقتصرًا على تنفيذ أحكام بعينها، بل امتد إلى طبيعة المحاكمات التي سبقتها، وحدود اختصاص القضاء العسكري، ومدى توافر ضمانات المحاكمة العادلة، وهي قضايا مرشحة لمزيد من النقاش مع استمرار البعثة الأممية في التواصل مع السلطات المعنية بشأن الملف.







