تواجه عدة دول أوروبية موجة متصاعدة من الإنذارات الكاذبة بوجود قنابل تستهدف المطارات والطائرات ومؤسسات إعلامية، في تطورات أثارت مخاوف أمنية بشأن احتمال وجود حملة منظمة تسعى إلى إرباك حركة الطيران وزعزعة الثقة في المؤسسات العامة، وسط تحذيرات إسبانية من أن ما يحدث قد يتجاوز حدود البلاغات الفردية إلى شكل من أشكال الحرب النفسية والهجمات الهجينة.
وشملت الموجة الجديدة، الجمعة 6 نوفمبر 2026، مطارات ومؤسسات في فرنسا وإيطاليا والبرتغال والتشيك وأيرلندا وبريطانيا والمجر وهولندا وبلغاريا، إضافة إلى تهديدات طالت رحلات جوية متجهة إلى مدن أوروبية مختلفة.
وأفادت تقارير إعلامية بأن تسعة رحلات على الأقل من وإلى مطار براغ تعرضت للتهديد، فيما شهدت مطارات أخرى عمليات تفتيش وإجراءات أمنية مشددة، بالتزامن مع إجلاء موظفين من مؤسسات إعلامية في أيرلندا بعد تلقي رسائل تهديد مماثلة.
35 طائرة تحت التهديد
تكشف حصيلة الأيام الأخيرة عن اتساع نطاق الظاهرة، إذ تأثرت 35 رحلة جوية على الأقل منذ بداية الأسبوع، وفقاً لإحصاءات نقلتها وسائل إعلام أوروبية عن بيانات وكالات الأنباء.
وكان يوم الخميس الأكثر اضطراباً، بعدما تعرضت نحو 27 رحلة لتهديدات بوجود متفجرات، ما دفع السلطات إلى تحويل مسارات طائرات وإجراء عمليات تفتيش واسعة، بينما استُدعيت مقاتلات عسكرية لمرافقة بعض الرحلات المدنية.
وفي فرنسا، تدخلت مقاتلات لمرافقة طائرة تابعة لشركة إير لينغوس قادمة من دبلن ومتجهة إلى روما، قبل تحويلها إلى قاعدة عسكرية في إيفرو.
كما شهدت بلغاريا تحرك مقاتلات لمرافقة ثلاث طائرات مدنية، بينما أوقفت السلطات البولندية رحلة تابعة لشركة لوت كانت تستعد للإقلاع من وارسو باتجاه باريس.
وامتدت الإجراءات إلى مدريد، حيث تلقت الشرطة الإسبانية ثلاثة بلاغات إلكترونية خلال أقل من عشرين دقيقة، استهدفت رحلة مغادرة إلى باريس ورحلتين قادمتين من روما وميلانو.
ورغم اتساع نطاق الإنذارات، لم تعثر السلطات حتى الآن على متفجرات أو أجسام مشبوهة في الطائرات التي خضعت للتفتيش.
مدريد تتحدث عن حرب نفسية
أثار تزامن التهديدات في دول متعددة تساؤلات بشأن طبيعة الجهات التي تقف وراءها، وهو ما دفع وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى التحذير من احتمال وجود نمط من العدوان الهجين يستهدف المجتمعات الأوروبية.
وقال ألباريس إن تكرار الحوادث بالطريقة نفسها لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة، معتبراً أن التفسير الأكثر ترجيحاً هو مواجهة محاولة للعدوان الهجين والحرب النفسية.
وأشار إلى أن هناك جهات دولية تستخدم أساليب تستهدف إضعاف أوروبا وإثارة الانقسامات داخل مجتمعاتها، دون أن يحدد دولة أو جهة بعينها تقف وراء التهديدات.
وحذر الوزير الإسباني أيضاً من احتمال تعرض بلاده لمحاولات تدخل خارجي قبل الانتخابات الوطنية المقررة في 29 نوفمبر، داعياً إلى الاستعداد لمواجهة محاولات التأثير في الاستقرار السياسي والاجتماعي.
لكن هذه التصريحات لا تعني ثبوت مسؤولية دولة أجنبية عن الإنذارات، إذ لا تزال التحقيقات الأوروبية عاجزة عن تحديد الجهة التي أرسلت الرسائل.
خبراء يحذرون من الهجمات الهجينة
يرى إريك شوتن، رئيس مجموعة الأمن الجوي «ديامي»، أن الحوادث تحمل بعض سمات الهجمات الهجينة، لكنه شدد على صعوبة إثبات ارتباطها بدولة محددة.
وأوضح، في تصريحات نقلتها رويترز، أن عمليات التخريب والتهديدات من هذا النوع يصعب إسنادها إلى جهة بعينها، حتى عندما تتشابه مع أساليب معروفة في العمليات الهجينة.
من جانبه، قال إيليران ألموغ، الرئيس التنفيذي لشركة «سايفيشن» المتخصصة في الأمن السيبراني للطيران، إن التهديدات قد تحقق هدفين متزامنين: تعطيل العمليات التشغيلية، ومراقبة كيفية استجابة شركات الطيران والمطارات والسلطات الأمنية.
وأضاف أن تزامن هذه الحوادث مع هجمات إلكترونية استهدفت أنظمة التبريد في متاجر أوروبية وبنوك دم فرنسية يثير تساؤلات بشأن اتساع نطاق التهديدات التي تواجه الخدمات الأساسية.
وفي السياق ذاته، أشار ريس جونز، من شركة «أوسبري فلايت سوليوشنز» المتخصصة في مخاطر الطيران، إلى أن وتيرة الحوادث الحالية غير معتادة في قطاع الطيران، لافتاً إلى أن السلطات لا تستطيع تجاهل أي تهديد عندما يتعلق الأمر بسلامة الركاب.
أما خافيير أرغومانيس، المتخصص في شؤون الإرهاب بجامعة سانت أندروز، فأوضح أنه لا يعلم بوجود إعلان رسمي من أجهزة استخبارات أو جهات حكومية يثبت وقوف دولة وراء هذه التهديدات، وهو ما يعكس الفجوة القائمة بين الاشتباه الأمني والأدلة القابلة للتحقق.
روسيا وإيران في دائرة التساؤلات
تزايدت التساؤلات بشأن احتمال ارتباط الحوادث بعمليات التأثير والتخريب التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل الاتهامات الغربية المتكررة لروسيا بالوقوف وراء بعض الهجمات الهجينة.
وزاد من هذه الشكوك أن بعض رسائل التهديد الموجهة إلى مطارات إيطالية حملت توقيعاً باسم «مقاتلي الدولة الذكورية»، وهو اسم حركة روسية متطرفة مناهضة للنسوية، حُظرت داخل روسيا عام 2021.
غير أن فلاديسلاف بوزدنياكوف، مؤسس الحركة، نفى تورطها في التهديدات، معتبراً أن استخدام اسمها قد يكون محاولة لاستغلال العلامة المرتبطة بها.
كما لم تستبعد التحقيقات احتمالات أخرى، بينها تصرفات فردية أو محاولات تقليد أو عمليات منظمة من جهات غير حكومية.
وفي المقابل، لا توجد أدلة معلنة تثبت تورط روسيا أو إيران، رغم وجود اتهامات غربية سابقة لطهران وموسكو في ملفات أمنية مختلفة.
المؤسسات الإعلامية تدخل دائرة الاستهداف
لم تعد التهديدات مقتصرة على الطيران، إذ شهدت أيرلندا الجمعة إخلاء مقار مؤسسات إعلامية بعد تلقي رسائل تتضمن تهديدات بوجود قنابل.
وشملت الإجراءات هيئة الإذاعة الأيرلندية «آر تي إي»، وصحيفة «آيريش إندبندنت»، ومحطتي «نيوزتوك» و«توداي إف إم»، إضافة إلى مؤسسة «فيرجن ميديا».
كما أعلنت شبكة «سكاي» البريطانية تلقيها تهديداً أمنياً وإبلاغ السلطات المختصة.
وقال رئيس الوزراء الأيرلندي ميشال مارتن إن هذه التهديدات تستهدف نشر الخوف والقلق، مؤكداً أن سهولة إحداث اضطراب من خلال رسائل بسيطة تكشف مدى حساسية عمل المؤسسات الحيوية.
اختبار لقدرة أوروبا على المواجهة
تتجاوز التداعيات المحتملة لهذه الحوادث تكلفة تحويل الرحلات وتأخير المسافرين، إذ تفرض عمليات التفتيش والإخلاء استنزافاً للموارد الأمنية والتشغيلية، وتضع السلطات أمام معادلة صعبة بين التعامل الجاد مع كل تهديد وتجنب تعطيل الحياة العامة.
وحذرت وكالة سلامة الطيران الأوروبية من أن المخاطر المرتبطة بكل بلاغ على حدة تبدو منخفضة، لكن تزايد عدد التهديدات يفرض ضغوطاً إضافية على منظومة الطيران.
وتبرز هنا خطورة تكرار الإنذارات، حتى في غياب متفجرات فعلية، إذ يمكن لرسالة إلكترونية مجهولة المصدر أن تدفع إلى تحريك مقاتلات عسكرية وإخلاء مبانٍ وتعطيل رحلات وإثارة قلق آلاف المسافرين.
وبينما تواصل الأجهزة الأوروبية تحقيقاتها لتحديد مصدر الرسائل، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت القارة أمام سلسلة من البلاغات المنفصلة أم حملة أوسع لاختبار قدرتها على حماية منشآتها الحيوية ومواجهة أساليب الضغط غير التقليدية.
وحتى الآن، لا تزال هوية المسؤولين مجهولة، فيما تتفق المؤشرات الأمنية على ضرورة التمييز بين الاشتباه في وجود هجوم هجين وبين إثبات الجهة التي تقف وراءه.






