من حكمة الله تعالى في تدبيره لشؤون خلقه أن يجعل للظلم نهاية، وللباطل أجلًا، ومن سننه الجارية أن يُضعِف أحيانًا الظالمين بعضهم ببعض، فيُشغلهم بأنفسهم، ويُهيّئ في خضمّ ذلك فرصًا تاريخية لنهضة المستضعفين، وبناء الأمم، وقيام الرسالات.
وقبيل بعثة النبي ﷺ، كان العالم يعيش واحدة من أعنف مراحله؛ إذ انشغلت الإمبراطوريتان الأعظم آنذاك -الروم والفرس- بحربٍ طاحنة استمرّت قرابة خمسٍ وعشرين سنة، بدأت قبل البعثة النبوية، وامتدّت خلال سنوات الدعوة الأولى، وانتهت تقريبًا عند صلح الحديبية. حربٌ أنهكت القوتين، واستنزفت مقدراتهما، وأشغلتهما عن محيطهما القريب والبعيد.
وخلال هذا الصراع المدمر، وُلدت الدعوة الإسلامية في مكة، ثم انتقلت إلى المدينة، وبدأ النبي ﷺ وصحابته رضي الله عنهم في بناء كيانٍ جديد، دولةٍ ناشئة تقوم على العقيدة، والتنظيم، والصبر، والتربية، في وقتٍ كانت فيه قريش — رغم عداوتها الشديدة — عاجزة عن حشد قوة خارجية كبرى تقضي على هذه الدعوة في مهدها.
وكان للروم، المتمركزين في بلاد الشام، علاقاتٌ تجارية واستراتيجية وثيقة مع قريش، وكان من الممكن -لو لم يكونوا منشغلين بحربهم مع الفرس- أن تمدّ قريش يدها إلى هذه القوة العظمى لمواجهة النبي ﷺ وأصحابه، وهم قلةٌ مستضعفة، لا يملكون آنذاك قوةً عسكرية ولا سلاحًا يوازي تلك الإمبراطوريات الجبارة.
غير أن انشغال الروم بحربهم مع الفرس حال دون ذلك، فكان هذا من تدبير الله تعالى، لا مصادفةً عمياء ولا فراغًا تاريخيًا. تدبيرٌ منح النبي ﷺ وأصحابه فسحةً زمنية ثمينة، بُنيت فيها الدولة، وترسّخت فيها القواعد، وقُوّيت فيها الصفوف، بينما كان الظالمون من حولهم ينهك بعضهم بعضًا، ويُضعف بعضهم بعضًا.
وهنا تتجلّى إحدى سنن الله الكبرى في التاريخ:
أن قيام الحق لا يكون دائمًا بمواجهةٍ مباشرة مع جميع قوى الباطل دفعةً واحدة، بل كثيرًا ما يسبق ذلك تفككُ قوى الظلم من الداخل، وانشغالُها بصراعاتها، حتى إذا آن أوان المواجهة، كانت موازين القوة قد تغيّرت.
غير أن هذه السنن لا تعني بحالٍ من الأحوال الركون إلى الانتظار، ولا التعويل على صراع الظالمين وحده؛ فالتمكين لا يُعطى لأمةٍ قعدت، ولا يُمنح لقومٍ اكتفوا بالمشاهدة. وإنما يقع التمكين حين يقترن التدبير الإلهي بأخذٍ جادٍّ بالأسباب: إيمانٍ راسخ، وصبرٍ طويل، وبناءٍ واعٍ، واستعدادٍ أخلاقي وحضاري.
وما الحروب التي تدور بين الظالمين في كل عصر إلا محطاتٌ ضمن مسارٍ أوسع، قد تُمهّد -بإذن الله- لمرحلة جديدة، يعود فيها الحق إلى موقعه، وتنهض فيها الأمة بدورها الريادي، إذا أحسنت قراءة الواقع، وفهمت سنن التاريخ، وعملت بما تقتضيه تلك السنن.
وفي هذه الأيام المباركة، نتضرع إلى الله تعالى أن يضرب الظالمين بالظالمين، وأن يُنجي المسلمين والمستضعفين والأبرياء من بينهم سالمين غانمين، وأن يجعل ما يجري في العالم توطئةً لفرجٍ قريب، ونصرٍ يُرضيه.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾







