قال الكاتب والمحلل في الشؤون الإيرانية، مهدي رضا، إن الأزمة التي تضرب قطاع التعليم في إيران لم تعد تقتصر على نقص المعلمين أو ارتفاع تكاليف الدراسة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر صور التفاوت الاجتماعي وضوحًا، وإلى مصدر متزايد للغضب بين الشباب والعائلات التي ترى مستقبل أبنائها يتراجع عامًا بعد عام.
وأضاف رضا، في تصريح صحفي، أن المقال الذي نشره عضو البرلمان الأوروبي السابق ستروان ستيفنسون في موقع «تاون هول» الأمريكي يعكس صورة مقلقة مع بداية العام الدراسي الجديد، إذ يتحدث عن نحو 16.5 مليون تلميذ يفترض أن يلتحقوا بالمدارس، بينهم أكثر من 1.15 مليون طفل يدخلون المرحلة الابتدائية للمرة الأولى، في وقت أصبحت فيه تكاليف القرطاسية والملابس والنقل تمثل عبئًا ثقيلًا على ملايين الأسر.
وأوضح أن المفارقة الأساسية تكمن في أن التعليم المجاني مكفول نظريًا، بينما تتحدث تقارير داخلية عن طلب مبالغ مالية من أولياء الأمور حتى في المدارس الحكومية. وفي المقابل، يمكن أن تصل الرسوم السنوية في بعض المدارس الخاصة إلى نحو 2.2 مليار ريال، ما يخلق عمليًا نظامين تعليميين مختلفين: أحدهما لمن يملك المال والنفوذ، والآخر للأسر التي تكافح لتأمين أبسط الاحتياجات.
وأشار رضا إلى أن هذه الفجوة ليست مجرد قضية عدالة اجتماعية، بل تؤثر مباشرة في فرص الجيل الجديد. فالطالب الذي يدرس في فصل مكتظ ويعاني نقص المعلمين ولا يستطيع الحصول على دروس إضافية، يدخل المنافسة الجامعية في مواجهة طالب يتمتع بتعليم خاص وإمكانات مالية واسعة، وهو ما يرسخ الشعور بأن المستقبل نفسه أصبح مرتبطًا بالطبقة الاجتماعية.
ولفت إلى أن ستيفنسون استند إلى بيانات رسمية نُشرت في سبتمبر تشير إلى وجود أكثر من 141 ألف طفل في سن المرحلة الابتدائية خارج النظام التعليمي، إلى جانب تقديرات سابقة تقارب مليون طفل متسرب من مختلف المراحل الدراسية. كما أشار إلى تقديرات طُرحت في مؤتمر رسمي في طهران عن وجود نحو مليوني طفل عامل.
وأضاف أن هذه الأرقام تكشف العلاقة المباشرة بين الفقر والتعليم: «حين تضطر الأسرة إلى الاختيار بين الطعام ودفتر المدرسة، فإننا لا نكون أمام مشكلة تعليمية فقط، بل أمام أزمة اجتماعية تعيد إنتاج الفقر من جيل إلى آخر».
وأشار رضا إلى أن وزارة التعليم أقرت أيضًا بنقص يقارب 90 ألف معلم مع بداية العام الدراسي، بينما ترفع منظمات مستقلة للمعلمين التقدير إلى ما بين 100 ألف و130 ألفًا. وتلجأ السلطات إلى ساعات عمل إضافية والاستعانة بالمتقاعدين والمعلمين المؤقتين لمعالجة النقص، لكنها حلول لا تعالج، بحسبه، الأسباب الهيكلية للأزمة.
وأكد أن البعد السياسي يظهر بوضوح عندما ننتقل من المدارس إلى الجامعات. فقد شهدت الأشهر الأخيرة احتجاجات طلابية على تكاليف التعليم، والحجاب الإجباري، والإجراءات الأمنية، وأوضاع الجامعات، كما شهدت عدة مدن احتجاجات لطلاب المدارس الثانوية على تعديلات نظام القبول الجامعي التي اعتبرها المحتجون منحازة إلى أبناء الأسر الأكثر قدرة على شراء تعليم خاص ودروس إضافية.
وقال رضا إن «الجيل الشاب لا يقارن فقط بين ما وُعد به وما حصل عليه، بل يقارن أيضًا بين ما تملكه البلاد من موارد وبين مستوى التعليم والفرص المتاحة له. ومن هنا تتحول المسألة من سؤال عن المدرسة والجامعة إلى سؤال أوسع عن طريقة إدارة الدولة وتوزيع الثروة».
وأضاف أن تعامل السلطات مع المؤسسات التعليمية بمنطق أمني يزيد المشكلة تعقيدًا. فحين يتحدث مسؤولون عن «تطهير» البيئة التعليمية من التأثيرات المعارضة، وتتسع اللجان التأديبية والملاحقات الجامعية، فإن ذلك يكشف أن السلطة نفسها تدرك أن المدارس والجامعات لم تعد فضاءات تعليمية فقط، بل أصبحت أيضًا ساحات للنقاش والاعتراض السياسي.
وشدد مهدي رضا على أن الحديث عن تحول المدارس والجامعات إلى «ساحة للحرية» لا يعني أن موجة احتجاج جديدة يمكن تحديد موعدها أو مكان انطلاقها مسبقًا، لكنه يعكس حقيقة أن التمييز التعليمي والفقر وانسداد المستقبل يمكن أن تتحول إلى عوامل سياسية عندما يشعر جيل كامل بأنه محروم من فرصة عادلة.
وختم بالقول: «الخطر الحقيقي بالنسبة إلى النظام ليس في نقص 90 ألف معلم أو ارتفاع سعر دفتر مدرسي بمفرده، بل في جيل يبدأ بربط هذه الأزمات بعضها ببعض: الفقر، والتمييز، والفساد، والقمع، وانعدام الفرص. وحين يفقد الشباب الأمل في إصلاح مستقبلهم داخل المنظومة القائمة، يصبح التعليم نفسه أحد ميادين المطالبة بالحرية والعدالة».


