أعادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في 20 سبتمبر 2026 ملف الاندماج والهجرة والرموز الدينية إلى واجهة النقاش السياسي، بإعلانها أن الحكومة ستقدم قريباً إلى مجلس الوزراء مشروعاً يحدد عدداً أقصى للطلاب الأجانب في الفصل الواحد، ويلزم آباء بعض الطلاب الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الاندماج بتعلم الإيطالية، ويحظر النقاب والبرقع في المدارس. وتحدثت ميلوني أيضاً عن ضرورة أن يكون وجه الطالبة مكشوفاً داخل المدرسة، وربطت ذلك بالمساواة بين الرجل والمرأة.
لكن الإعلان السياسي لا يمثل بعد قانوناً نافذاً، كما أن الحد الأقصى للطلاب الأجانب لم يحدد حتى الآن، وهو ما يجعل تفاصيل المشروع المنتظر حاسمة في معرفة أثره الفعلي. وتبلغ نسبة الطلاب الذين لا يحملون الجنسية الإيطالية نحو 11.6% من إجمالي الطلاب، بحسب البيانات التي نقلتها رويترز.
وتحتاج القضية إلى فصل موضوعين كثيراً ما يختلطان في الخطاب السياسي: مشكلة الاندماج التعليمي واللغوي من جهة، والملابس الدينية من جهة أخرى. فالطالب الذي لا يتقن الإيطالية يحتاج فعلاً إلى دعم لغوي حتى يتمكن من متابعة الدراسة، لكن تحديد نسبة الطلاب الأجانب في الفصل يمكن أن يتحول إلى قضية أكثر تعقيداً إذا أدى إلى عزل أبناء المهاجرين في مدارس أو مناطق منفصلة بدلاً من دمجهم.
وقد سبقت تصريحات ميلوني مواقف أكثر تفصيلاً من وزير التعليم جوزيبي فالديتارا. ففي أغسطس قال إن حظر البرقع في المدارس يهدف، من وجهة نظره، إلى تأكيد كرامة المرأة والمساواة بين الجنسين، معتبراً أن تغطية الوجه تعرقل التعارف والتفاعل الاجتماعي داخل المدرسة.
في المقابل، جاءت انتقادات من داخل الوسط التعليمي والسياسي الإيطالي نفسه. وقالت جيانا فراكاسي، الأمينة العامة للنقابة التعليمية التابعة للاتحاد العام الإيطالي للعمل، إن الإجراءات المطروحة لا تعبر عن الاندماج وإنما عن «الاستيعاب»، وانتقدت الطابع الأمني والعقابي المصاحب للنقاش. كما طالبت السيناتورة سيمونا مالبيتسي الحكومة بأن تسأل المدارس نفسها عن المشكلات الفعلية التي تواجهها قبل اختيار الحلول، مشيرة إلى عدم وضوح حجم ظاهرة الطالبات اللاتي يرتدين النقاب أو البرقع في المدارس الإيطالية.
وهنا تظهر أهمية الاستماع إلى أصوات تتجاوز الانقسام الحزبي الإيطالي. فقد نشر الباحث والفيلسوف الإيطالي أنطونيو فيجيلانتي في 14 أغسطس تحليلاً مطولاً للاعتراض على الحظر، ولفت إلى أن وصف البرقع أو النقاب بأنه رمز للاضطهاد لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى حقيقة مفروضة على كل امرأة ترتديه. وسأل بصورة مباشرة: من يملك حق تحديد معنى الرمز الديني، المرأة التي تختاره أم الدولة التي تفسره نيابة عنها؟ كما ناقش حجة التعرف إلى الهوية، مشيراً إلى أن التحقق من هوية الطالبة يمكن أن يتم عند الحاجة من دون تحويل ذلك بالضرورة إلى حظر شامل.
وهذا التحليل مهم في النقاش الخاص بالمسلمين تحديداً، لأنه يلفت إلى الفرق بين رفض الإكراه على المرأة وبين منع المرأة التي تختار لباساً دينياً بإرادتها. فالدولة تستطيع أن تتدخل لحماية القاصرات من الإكراه أو العنف أو الزواج القسري، لكن السؤال القانوني والاجتماعي يصبح أكثر تعقيداً عندما تفترض مسبقاً أن كل ارتداء للنقاب دليل على الإكراه.
ومن داخل النقاش الإيطالي ظهرت أيضاً أصوات ترى أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الإسلام داخل المدرسة، وإنما في كيفية ضمان قواعد واحدة للجميع. فقد شددت لورا بيسيو، عضو المجلس الإقليمي في فينيتو، على ضرورة التمييز بين الحجاب الذي يترك الوجه مكشوفاً وبين النقاب والبرقع اللذين يغطيان الوجه، معتبرة أن المسألة الأخيرة تتصل بالتعرف إلى الهوية والعلاقة التعليمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصرات.
وفي المقابل، فإن بعض النقابات والمعلمين يخشون من أن يؤدي التركيز على اللباس الديني إلى تحويل المدرسة من مساحة للتعليم والاندماج إلى ساحة صراع حول الهوية. وذهب فابريتسيو ريبرشيغ، من نقابة معلمي غيلدا في فينيسيا، في مقال نشر في 20 أغسطس، إلى أن غياب تشريع واضح قد يحمّل المدارس مسؤولية معالجة النزاع ويفتح الباب أمام طعون قانونية متعددة.
أما من منظور المسلمين، فإن أحد أهم عناصر التوازن هو عدم التعامل مع «المسلمين» ككتلة واحدة. فالحجاب والنقاب والبرقع ليست شيئاً واحداً، كما أن المجتمعات الإسلامية نفسها تضم مدارس فقهية وثقافية متعددة في فهم لباس المرأة. وبالتالي فإن ربط كل مسلم أو كل امرأة محجبة بمفهوم واحد عن الإسلام يمكن أن يزيد الاستقطاب بدلاً من أن يعالج مشكلة الاندماج.
كما أن القضية لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها صراعاً بين «القيم الإيطالية» و«القيم الإسلامية». فالعديد من المسلمين في أوروبا ينظرون إلى تعلم لغة البلد واحترام القانون والتعليم والعمل والمشاركة المدنية باعتبارها عناصر طبيعية للاندماج، مع احتفاظهم في الوقت نفسه بمظاهر من هويتهم الدينية. والتحدي السياسي الحقيقي هو تحديد الحدود بين الاندماج الذي يقوم على المواطنة المشتركة، والاندماج الذي يتحول إلى مطالبة بالتخلي عن الهوية الدينية.
وتزداد حساسية المسألة مع اقتراح وضع سقف للطلاب الأجانب. فإذا كان الهدف هو معالجة صعوبات اللغة والتركيز التعليمي، فإن توفير حصص دعم لغوي وتوزيع الطلاب بصورة متوازنة يمكن أن يكون جزءاً من الحل. أما إذا أصبح معيار «الأجنبي» نفسه أساساً لتحديد موقع الطفل في المدرسة، فقد ينشأ سؤال مختلف يتعلق بالمساواة التعليمية، خصوصاً بالنسبة للأطفال المولودين في إيطاليا والذين يحملون ثقافة إيطالية لكنهم لا يحملون الجنسية الإيطالية.
لذلك ستكون المرحلة المقبلة أكثر أهمية من التصريحات الحالية. فالمشروع الذي ستقدمه الحكومة سيكشف ما إذا كانت الإجراءات تستهدف مشكلة تعليمية محددة أم ستشكل إطاراً أوسع لإعادة تعريف علاقة الدولة الإيطالية بالهجرة والإسلام والهوية. كما أن البرلمان والمحاكم والسلطات التعليمية ستلعب أدواراً أساسية في تحديد كيفية تطبيق القيود، بينما سيبقى صوت الأسر المسلمة والطالبات أنفسهن ضرورياً لمعرفة ما إذا كانت السياسة الجديدة تحمي القاصرات من الإكراه فعلاً أم تضع قيوداً على خيارات دينية فردية.
المصادر والتواريخ:
وكالة رويترز، 20 سبتمبر 2026.
وكالة أسوشيتد برس، 20 سبتمبر 2026.
وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»، 20 سبتمبر 2026.
وكالة «أنسا»، تصريحات وزير التعليم جوزيبي فالديتارا، 1 و4 أغسطس 2026.
أنطونيو فيجيلانتي، «لماذا لا يعد حظر البرقع في المدرسة أمراً جيداً»، 14 أغسطس 2026.
فابريتسيو ريبرشيغ، نقابة معلمي غيلدا في فينيسيا، 20 أغسطس 2026.






