في خليج عدن في أكتوبر 2025 نقطة تقاطع رمزية بين تحوّلات القوة البحرية وتحوّلات الردع الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فالحدث، وإن بدا حادثاً تقنياً في ظاهره، يكشف عن تحوّل بنيوي في بيئة الأمن البحري ناتج عن إعادة تموضع التوازنات بين الولايات المتحدة وإيران عقب حرب يونيو 2025 التي عرّت حدود الردع التقليدي،
وأظهرت هذه المواجهة بحسب تقرير لمركز أمد للدراسات السياسية عجز الحرب المباشرة عن إنتاج حسم عسكري وسياسي. في ظل هذا العجز، باتت المجالات البحرية فضاءً بديلاً لإعادة إنتاج الردع غير المتماثل، حيث تمتزج أدوات القوة عبر العقوبات، والممرات التجارية بأدوات الضغط الجيو–اقتصادي.
تسعى واشنطن اليوم إلى ترجمة العقوبات الأممية المتجددة إلى نظام مراقبة بحري عابر للسيادة، يتيح لها ضبط حركة الطاقة الإيرانية وفرض نظام قانوني جديد في أعالي البحار، فيما ترى طهران في مضيق هرمز وبحر العرب مجالاً استراتيجياً لمعادلة الردع عبر التهديد بخنق ممرات عبور الطاقة والنفط.
من هنا، لم تعد المواجهة بين الطرفين صراعاً على النفوذ فحسب، بل إشارة مبكرة إلى انتقال الصراع إلى البنية التحتية للنظام البحري العالمي ذاته.
.فيما شهدت السنوات 2019 إلى 2021 مواجهة بحرية خفية بين إيران وإسرائيل، تبادل خلالها الطرفان استهداف سفن تجارية ونفطية مرتبطة بكل منهما في البحار. تصاعدت الهجمات على ناقلات النفط والسفن الأخرى بشكل حاد خلال تلك الفترة.
في تلك الحقبة، تعرضت أكثر من 20 سفينة مدنية لهجمات باستخدام ألغام بحرية وطائرات مسيّرة وقوات كوماندوز في إطار حرب الظل المتصاعدة بين طهران وتل أبيب. بدأت هذه الحرب الغامضة فعليا في مايو 2019، عندما تعرضت ناقلة النفط الإيرانية “هابینس 1” لحادث غامض قبالة ساحل البحر الأحمر.
ومنذ ذلك الحين تكاثرت الحوادث. ففي عام 2019 وحده تم تسجيل 3 هجمات على سفن مرتبطة بإيران أو إسرائيل، ثم ارتفع العدد في عام 2020 حيث تعرضت السفن الإيرانية لما لا يقل عن 6 هجمات إضافية.
وفي ذروة التصعيد عام 2021 كشفت تقارير غربية أن إسرائيل استهدفت ما لا يقل عن 12 سفينة متجهة إلى سوريا (تحمل نفطًا إيرانياً وأحيانًا أسلحة) منذ أواخر 2019، مستخدمةً أسلحة متنوعة منها الألغام البحرية.
بالمقابل، اتهمت إسرائيل إيران بتنفيذ هجمات على عدة سفن مملوكة لإسرائيليين؛ فوفق تحليل لصحيفة تلغراف، تعرضت 4 سفن مرتبطة بإسرائيل لهجمات خلال الفترة نفسها.
هذه العمليات المتبادلة اتسمت بالحذر لتجنب سقوط قتلى، حتى جاء الهجوم الأكثر خطورة في يوليو 2021 حين ضربت طائرة مسيّرة إيرانية الناقلة الإسرائيلية “ميرسر ستريت” قرب عُمان، ما أدى إلى مقتل قائدها الروماني وحارس أمن بريطاني.
ورغم تبادل الاتهامات علنًا في بعض تلك الحوادث، بقيت حرب السفن هذه في الظل ولم يعترف بها رسميًا قادة الطرفين.

ومع تصاعد المخاطر في 2021، يبدو أن الطرفين آثرا التهدئة وتجنب الانجرار إلى مواجهة بحرية شاملة. بل إن الحرس الثوري الإيراني صرّح لاحقًا أن إسرائيل أوقفت “معركة السفن” بعد أن ردت إيران بالمثل وألحقت أضرارًا جسيمة بعدة سفن إسرائيلية.
وصرح قائد الحرس الثوري السابق اللواء حسين سلامي أن طهران استهدفت 12 سفينة إسرائيلية خلال تلك المواجهة الانتقامية، وأنه “بعد ضرب السفينة الخامسة قالت تل أبيب إنها ستوقف معركة السفن”. وهكذا انتهت جولة الحرب البحرية الخفية باتفاق ضمني على وقف تبادل الاستهداف في البحار، مع ادعاء كل طرف تحقيق الردع أمام الآخر.
مواجهة مباشرة بلا نصر حاسم والعودة إلى حرب الظل
شهد شهر يونيو 2025 تصعيداً عسكرياً غير مسبوق بين إسرائيل وإيران، كاد يُغرق المنطقة في أتون حرب شاملة. فبعد أعوام من التوترات والحروب بالوكالة، اندلعت مواجهة مباشرة بدأت بغارات جوية إسرائيلية واسعة النطاق يوم 13 يونيو استهدفت مواقع عسكرية ونووية داخل إيران. كسرت هذه الضربات الإسرائيلية المحظور المعتاد ودفعت طهران للرد بصواريخ باليستية ومسيّرات سقط بعضها في عمق الأراضي الإسرائيلية،
ومن الطبيعي إذا أن يعود الطرفان إلى هذا الأسلوب بعد يونيو 2025، فهو أقل خطورة من مواجهة شاملة، ويتيح إلحاق ضرر تدريجي بالخصم، باستهداف اقتصاده وخطوط إمداده، دون تجاوز عتبة الحرب المباشرة التي قد تستدعي تدخلاً دولياً واسعاً.
وهكذا، فإن العودة إلى حرب الظل بدت خياراً منطقياً لإيران وإسرائيل عقب تجربتهما المُرهِقة في يونيو. فطهران تستطيع عبر وحلفائها في اليمن أو عبر عمليات بحرية سرية ضرب مصالح إسرائيل وحلفائها (كناقلات النفط الإسرائيلية أو الغربية) انتقاماً من الضغط الاقتصادي والعسكري عليها، دون أن تترك أدلة مباشرة تدينها. وإسرائيل يمكنها مواصلة استهداف شحنات الأسلحة والنفط الإيرانية في أعالي البحار كما فعلت مراراً في السنوات الماضية، لإضعاف مصادر تمويل طهران وحلفائها، دون الانجرار إلى صراع مباشر جديد.
واشنطن وطهران وحروب الظل
فيما ترسم التطورات الأخيرة ملامح مرحلة بالغة الخطورة يتداخل فيها العسكري بالاقتصادي على مسرح البحار. حادثة ناقلة فالكون في خليج عدن، جاءت كتذكير درامي بمدى هشاشة الأمن البحري في منطقة مزدحمة بالتوترات.
فقد كشفت كيف يمكن لحادث واحد وفقا لتقرير مركز أمد أن يُفسَّر فوراً في سياق صراع أكبر بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما، وكيف يمكن أن يتحول البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة مناوشات ضمن الحرب المستترة الدائرة بين هذه الأطراف.
وفي الوقت نفسه، أظهرت حرب يونيو 2025 أن المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران أمر مكلف ومدمر بلا ضمان لتحقيق الأهداف، مما يدفع الطرفين إلى العودة لأدوات الحرب غير المباشرة، من اغتيالات وحملات سيبرانية إلى استهداف ناقلات وشحنات في الظل، كسبيل لمواصلة صراعهما دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وزادت عودة العقوبات الأممية الطين بلة، إذ وضعت البحرية الإيرانية والحرس الثوري أمام تحدي إثبات الوجود في هرمز وغيرها، ووضعت الأساطيل الغربية أمام مهمة فرض إرادتها بالقوة إن لزم الأمر.
وبين هذه وتلك، تقف التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي على المحك؛ فأي مواجهة بحرية واسعة، حتى لو بقيت “محدودة” في نظر أطرافها، يمكن أن تقود إلى اضطراب خطير في إمدادات النفط والتجارة، وسيدفع الجميع ثمنها اقتصادياً. لقد تعلمت القوى المعنية دروساً قاسية من حرب الناقلات في الثمانينات، ومن المؤكد أنها تدرك عواقب تكرارها اليوم في عالم أكثر ترابطاً واعتماداً على سلاسة النقل البحري.
ومع ذلك، يبقى خطر التصعيد حاضراً وقائماً ما دامت جذور التوتر الأساسية لم تُعالج. إن غياب حل دبلوماسي شامل للملف النووي الإيراني وللصراع الإيراني-الإسرائيلي يعني استمرار منطق “عض الأصابع” ومحاولات فرض الإرادة بالقوة أو الحصار.
وفي هذا السياق، قد يبدو استخدام البحار كساحة مواجهة خياراً مغرياً لصانعي القرار باعتباره أقل استفزازاً للرأي العام الدولي من قصف المدن مثلاً. لكنه خيار محفوف بعدم اليقين، إذ إن خطأ صغيراً في حسابات الاستهداف البحري قد يجرّ إلى رد فعل كبير ويشعل حرباً أوسع.


