دخلت ليبيا مجددًا نفق الأسئلة الثقيلة بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي، في لحظة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ سقوط نظام والده عام 2011.
فالبلاد التي لم تنجح حتى الآن في بناء دولة مستقرة، كانت تقف – بحسب مراقبين – على أعتاب محاولة جديدة لإعادة ترتيب المشهد السياسي عبر انتخابات مؤجلة ومفاوضات شاقة بين الشرق والغرب.
اغتيال شخصية مثيرة للجدل لكنها ذات ثقل اجتماعي وقبلي وسياسي أعاد فتح ملف الاستقرار، ليس فقط من زاوية أمنية، بل أيضًا من منظور اقتصادي يرتبط بمستقبل النفط، وإدارة الموارد، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية داخل ليبيا.
وبحسب ما أوردته قناة دوتش فيله (DW)، فإن العملية نُفذت بدقة لافتة، ما دفع محللين إلى التساؤل: هل كان الهدف شخصًا بعينه، أم مسارًا سياسيًا كاملًا كان يتشكل في الخلفية؟
اغتيال شخصية.. أم اغتيال مسار؟
اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يُقرأ كحدث أمني منفصل، بل كزلزال سياسي، فالرجل الذي كان يُنظر إليه كمرشح محتمل للعودة إلى الساحة السياسية مثّل -بالنسبة لأنصاره – نقطة التقاء بين الحنين إلى الاستقرار السابق ومحاولة بناء تسوية جديدة.
الإعلامي والجامعي التونسي المتخصص في الشأن الليبي كمال بن يونس يرى أن مقتله “سيخلط الأوراق بشكل عميق داخل المشهد الليبي”، مشيرًا إلى أن سيف الإسلام ظل لسنوات أحد أكثر الشخصيات حضورًا في الوعي السياسي الليبي، حتى خلال فترة غيابه.
ويضيف في تصريح نقلته DW أن التقديرات السابقة كانت تمنحه قاعدة شعبية معتبرة، ما جعله عنصرًا مؤثرًا في أي معادلة انتخابية قادمة.
من هذا المنظور، لا يُنظر إلى الاغتيال كإقصاء فردي، بل كإعادة رسم محتملة لموازين القوى قبل استحقاقات سياسية كانت تُعد ببطء.
بين التعطيل والتسهيل.. جدل حول الانتخابات
على الجانب الآخر، يرى بعض المحللين أن غياب سيف الإسلام قد يزيل إحدى العقد التي كانت تعرقل العملية الانتخابية.
الباحث جليل الحرشاوي اعتبر أن موته قد يؤدي إلى تراجع معنويات الفصائل الموالية للنظام السابق، لكنه في الوقت ذاته يزيل شخصية كانت محل انقسام حاد بين القوى الليبية.
هذا الطرح يعكس مفارقة أساسية: هل كان وجود سيف الإسلام عامل تعطيل بسبب رمزيته المرتبطة بالماضي؟ أم كان جسرًا ممكنًا لتسوية تستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة؟
الإجابة، بحسب مراقبين، تعتمد على قدرة القوى السياسية على استثمار الصدمة في اتجاه المصالحة بدل التصعيد.
من المستفيد من الجريمة؟
وتستكمل دوتش فيله، أن التحقيقات الرسمية لم تُعلن بعد عن هوية المنفذين، لكن طبيعة العملية – وفق بن يونس – توحي بتخطيط احترافي يتجاوز الاغتيالات التقليدية، وهو يطرح احتمال تورط جهات منظمة تمتلك إمكانيات استخباراتية أو شبكات نفوذ واسعة.
الفرضية الأكثر تداولًا بين الخبراء أن هناك أطرافًا مستفيدة من استمرار حالة اللااستقرار مثل: شبكات تهريب، ولوبيات اقتصادية تتحكم في المعابر، وجماعات مسلحة تستفيد من اقتصاد الفوضى، وأطراف خارجية تفضل بقاء ليبيا ساحة نفوذ مفتوحة.
في هذا السياق، يتحول الاغتيال من جريمة سياسية إلى حلقة ضمن صراع على الموارد والنفوذ، حيث ترتبط السياسة مباشرة بالاقتصاد غير الرسمي الذي نما خلال سنوات الانقسام.
سيف الإسلام.. بين مشروع الإصلاح وإرث 2011
شخصية سيف الإسلام ظلت تحمل تناقضًا حادًا، فقد قدم نفسه قبل 2011 كمصلح وداعٍ للدستور وحقوق الإنسان، وتلقى تعليمه في الغرب، وكان يُنظر إليه كشخصية مقبولة دوليًا، لكنه في لحظة الثورة اختار الاصطفاف الكامل مع النظام، وارتبط اسمه بقمع الانتفاضة.
هذا التناقض جعله شخصية إشكالية، فهو للبعض رمزًا لاستقرار مفقود، ولآخرين امتدادًا لنظام سقط بالقوة
ورغم ذلك، يرى بن يونس أن إمكانية التوافق حوله لم تكن مستحيلة، خصوصًا بعد سنوات الإنهاك التي عاشتها البلاد.
ويضيف أن الحادثة قد تشكل صدمة تدفع الأطراف المتصارعة إلى تسريع مسار الحل بدل العودة إلى التصعيد.
ليبيا بين صدمات متلاحقة
الاغتيال جاء بعد فترة قصيرة من خسائر عسكرية وسياسية بارزة، أبرزها حادث تحطم الطائرة الذي أودى بعدد من القيادات العسكرية الليبية، هذا التراكم من الصدمات يعكس هشاشة البنية المؤسسية، ويطرح سؤالًا حول قدرة الدولة على حماية رموزها وإدارة انتقال سياسي معقد.
في بلد يعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل على النفط، فإن استمرار الاضطراب السياسي يعني بقاء الاستثمارات معلقة، وتراجع الثقة الدولية، واستمرار الاقتصاد الموازي الذي يغذي شبكات النفوذ المسلحة.
حدث غير معزول
اغتيال سيف الإسلام القذافي لا يمكن قراءته كحدث معزول؛ إنه اختبار جديد لقدرة ليبيا على تحويل الأزمات إلى فرص، فإما أن يصبح الحادث شرارة لموجة عنف جديدة تعمق الانقسام، أو نقطة صدمة تدفع الأطراف نحو تسوية طال انتظارها.
السلام في ليبيا لم يكن يومًا مرتبطًا بشخص واحد، لكنه كان دائمًا مرتبطًا بقدرة الليبيين على الاتفاق على قواعد مشتركة للعبة السياسية، والسؤال الحقيقي بعد الاغتيال ليس من أطلق الرصاص فقط، بل: هل تستطيع ليبيا أخيرًا كسر دائرة الاغتيالات والانقسامات، والانتقال من منطق القوة إلى منطق الدولة؟






