تخوض الحكومة الجزائرية سباقاً مع الزمن لتنفيذ واحد من أضخم مشروعات البنية التحتية القارية، متمثلاً في وصل مدينة تمنراست أقصى الجنوب بالشبكة الوطنية للقطارات، ضمن استراتيجية متكاملة لفك العزلة عن الصحراء، وإنعاش حركة الملاحة التجارية، وتحفيز استغلال الثروات المنجمية الواعدة بالتكامل مع بوابات الساحل الأفريقي.
أبعاد ومسارات قطار الصحراء الجديد
تتجه السلطات لإنجاز مقاطع حيوية تربط مدن الأغواط وغرداية والمنيعة وعين صالح وصولاً إلى العُمق في تمنراست، مع خطط مستقبلية لتمديد الخط نحو الحدود النيجرية عند عين قزام.
ويمتد شطر عين صالح نحو تمنراست على مسافة تقارب 650 كيلومتراً، متصلاً بامتداد آخر بطول 400 كيلومتر نحو البوابة الحدودية، لتوفير وسيلة نقل آمنة وسريعة للركاب والبضائع نحو الموانئ الشمالية فوهران وعنابة والعاصمة، مكررةً النجاح المحقق في ربط تندوف بشمال البلاد.
التمويل الميسر والاكتفاء الذاتي للمشروع
رصدت الخزينة اعتمادات مالية تُقدر بنحو 3.5 مليارات دولار لإنجاز المخطط، بعدما أقر مجلس الوزراء قبول قرض ميسر بقيمة 3 مليارات دولار من البنك الأفريقي للتنمية بفائدة لا تتجاوز 1% وفترات سداد مريحة.
وتعول القيادة على الجدوى الاقتصادية للمشروع، إذ تشير التقديرات إلى قدرة الخط على تمويل تشغيله ذاتياً مستقبلاً من خلال عائدات نقل البضائع، وتصدير الخامات المستخرجة من مناجم الجنوب نحو الأسواق الخارجية.
التكامل اللوجستي والتجارة الإفريقية
يتناغم قطار الصحراء مع مشاريع إستراتيجية موازية تشمل استكمال الطريق العابر للصحراء نحو تشاد ومالي والنيجر، وطريق تندوف-الزويرات الموريتاني، بهدف خلق ممرات تجارية إقليمية متكاملة.
وتسعى الجزائر لإتاحة موانئها البحرية أمام الدول الحبيسة غير الساحلية لاستقبال بضائعها ونقلها عبر السكك الحديدية، مما يعزز موقعها كمركز لوجستي محوري يربط ضفتي الصحراء الكبرى بالمتوسط.
أكدت التغطيات الرسمية وتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون توقيع اتفاقية تمويل مع البنك الأفريقي للتنمية بقيمة 3 مليارات دولار لتنفيذ الشطر الممتد بين المنيعة وتمنراست.
وأبرزت الدراسات الاقتصادية للباحثين والمختصين أهمية المشروع في خفض كلفة النقل البري، ودمج مناطق الإنتاج المنجمي بالجنوب في الدورة الاقتصادية الوطنية.
أبعاد التنمية وطموحات الحضور الإقليمي
يعكس مشروع الربط السككي للجنوب الجزائري تحولاً عميقاً في سياسات التنمية العمرانية والاقتصادية، مترجماً إرادة سياسية جادة لردم الهوة الجغرافية بين الشمال والجنوب.
إن توفير شرايين نقل حديثة لا يقتصر أثره على تيسير تنقل المواطنين وكسر عزلة الصحراء، بل يفتح آفاقاً رحبة لاستثمار الثروات المعدنية التي ظلت طويلاً خارج حسابات الاستغلال التجاري بسبب صعوبة التضاريس وتكلفة الشحن.
ومع تداخل الخطط الوطنية لربط الموانئ بدول الساحل، ترسم الجزائر ملامح دورها المستقبلي كجسر تجاري ولوجستي لا غنى عنه في شمال القارة الأفريقية.