منذ أكثر من عقد، ما زالت الأزمة الليبية تراوح مكانها بين المبادرات الأممية، والمصالح الإقليمية، والتجاذبات الداخلية بين سلطتين متنازعتين على الشرعية. وفي أحدث محاولة لكسر هذا الجمود، عرضت رئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، خارطة طريق جديدة أمام مجلس الأمن الدولي في 21 أغسطس الماضي، تضمنت ثلاث ركائز أساسية، أبرزها وضع إطار انتخابي، وتوحيد المؤسسات، وإطلاق حوار سياسي شامل. لكن الجديد هذه المرة أن البعثة لوّحت صراحة باستخدام ورقة العقوبات ضد الأطراف المعرقلة، في محاولة لردع من اعتادوا تعطيل المسار السياسي.
موقف بعثة الأمم المتحدة
البعثة بدت أكثر تشدداً هذه المرة، إذ لم تكتفِ بطرح خطة سياسية، بل حددت أيضاً ثلاث ضمانات لضمان نجاحها:
-
المحاسبة والعقوبات: وضعت آلية متعددة لمنع المعرقلين، مشيرة إلى أنها ستسمي الأطراف المعرقلة في إحاطاتها الدورية لمجلس الأمن كل شهرين، وقد تطلب تدخله لمحاسبتهم.
-
الحوار المهيكل: ترى أن الحوار الليبي – الليبي، بمشاركة واسعة، يشكل ضمانة لدفع العملية السياسية ومحاسبة النخب المتشبثة بالسلطة.
-
الإطار الانتخابي وتوحيد المؤسسات: تعتبر أن تشكيل حكومة موحدة وإقرار إطار انتخابي قابل للتطبيق سياسياً وفنياً هما الطريق نحو انتخابات وطنية.
كما أكدت تيتيه أن الخطة ستُنفذ كحزمة واحدة، عبر مراحل متسلسلة، خلال فترة زمنية تراوحت بين 12 و18 شهراً، محذرة من أي محاولة لتجزئتها أو تعطيلها.
موقف مجلس الأمن الدولي
رحّب مجلس الأمن بخارطة الطريق الجديدة، داعياً الأطراف الليبية إلى الانخراط فيها دون شروط مسبقة. لكنه لم يتجاوز لغة التشجيع والتوصية، إذ شدد على:
-
ضرورة تقديم تنازلات من جميع الأطراف.
-
أهمية دور المجتمع الدولي في دعم البعثة الأممية.
-
تشجيع المبادرات التي تضع مصلحة الليبيين فوق أي اعتبارات سياسية أو جهوية.
غير أن بعض المراقبين يرون أن موقف المجلس ظل أقرب إلى “التأييد الدبلوماسي”، من دون آليات تنفيذ حقيقية لإجبار الأطراف على الالتزام، ما يطرح تساؤلات حول جدية التهديد بالعقوبات.
موقف الأطراف الليبية
على الأرض، لا تبدو الصورة مشجعة كثيراً:
-
سلطات طرابلس ما تزال متمسكة بمقاليد الحكم، وترفض التنازل عن امتيازاتها الحالية لصالح أي ترتيبات انتقالية.
-
السلطات الموازية شرق البلاد تواصل بدورها التشبث بمواقعها السياسية والعسكرية، وتربط أي تفاهمات بضمان دورها في المرحلة المقبلة.
-
وبين الطرفين، يقف المواطن الليبي العادي عالقاً بين الانقسام السياسي، والانهيار الاقتصادي، وانسداد الأفق.
المراقبون المحليون: بين الشكوك والتخوفات
المراقبون داخل ليبيا أبدوا تشككهم في جدوى المبادرة الأممية. فهم يذكّرون بأن:
-
مجلس الأمن لطالما لوّح بالعقوبات من قبل، لكنه لم يطبقها بصرامة.
-
محاولات توحيد المؤسسات أو فرض تسويات سياسية غالباً ما اصطدمت بمصالح النخب الحاكمة.
-
أي خارطة طريق من دون ضمانات دولية واضحة تظل معرضة للانهيار.
البعد الأمني والاستقرار الداخلي
في موازاة المسار السياسي، أكدت تيتيه أن أولوية البعثة حالياً هي تثبيت الاستقرار في طرابلس ومنع انزلاقها إلى العنف مجدداً. وأشادت بجهود لجان الترتيبات الأمنية والعسكرية، ولجنة الهدنة، التي تعمل على تقريب وجهات النظر وتخفيف التوترات. ورأت أن أي نجاح أمني سينعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي والمعيشي، ويمهّد الأرضية لانتخابات وطنية.
خارطة الطريق الجديدة تبدو أكثر صرامة في لهجتها، خصوصاً مع التلويح بالعقوبات. غير أن نجاحها سيظل رهناً بثلاثة عوامل:
-
جدية مجلس الأمن في فرض عقوبات فعلية، لا الاكتفاء بالبيانات.
-
قدرة البعثة على فرض حوار شامل يجمع مختلف القوى الليبية، وليس الاقتصار على النخب التقليدية.
-
استعداد الأطراف المحلية لتقديم تنازلات حقيقية، وهو الأمر الأكثر صعوبة في ظل تمسك كل طرف بمصالحه وامتيازاته.
وبينما يراقب المجتمع الدولي تطورات طرابلس عن كثب، يبقى السؤال الأهم: هل تكون هذه المبادرة مختلفة عن سابقاتها، أم أنها مجرد حلقة جديدة في مسلسل المبادرات المؤجلة؟






