رغم تراجع حدة المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بفعل الوساطات الإقليمية والدولية، فإن مؤشرات التصعيد في البحر الأحمر والقرن الإفريقي لا تزال قائمة، خاصة بعد التصريحات الأخيرة لزعيم جماعة “أنصار الله” اليمنية عبد الملك الحوثي، التي توعد فيها باستهداف أي وجود إسرائيلي في إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند)، معتبراً أن أي تمركز عسكري أو أمني لإسرائيل في المنطقة يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي اليمني وللملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه التقارير الإعلامية حول اهتمام إسرائيل بتوسيع حضورها في منطقة القرن الإفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية لكونها تشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. غير أن المزاعم المتداولة بشأن إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية في “أرض الصومال” لم تؤكدها مصادر رسمية مستقلة حتى الآن، ما يجعلها في إطار التقارير والتسريبات المتداولة، وليس الوقائع المثبتة.
ويشير مراقبون إلى أن أي توسع للحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي قد يضيف بعداً جديداً للصراع، إذ لن تقتصر المواجهة على البحر الأحمر أو الأراضي الفلسطينية، وإنما قد تمتد إلى السواحل المقابلة لليمن، وهو ما يمنح الصراع بعداً جيوسياسياً أكثر تعقيداً، نظراً لأهمية مضيق باب المندب الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ويرى عدد من الباحثين اليمنيين أن الجماعة تسعى إلى تطوير قواعد الاشتباك التي فرضتها خلال الأشهر الماضية، والتي اعتمدت على استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها، لتشمل – وفق تصريحات قياداتها – أي وجود عسكري إسرائيلي محتمل في محيط البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ويعتقد هؤلاء أن هذا التوجه يهدف إلى توسيع نطاق الردع ورفع كلفة أي تحركات إسرائيلية بالقرب من السواحل اليمنية.
في المقابل، يرى خبراء في الشؤون الإقليمية أن احتمالات انتقال المواجهة إلى القرن الإفريقي ستظل مرتبطة بمدى وجود أهداف إسرائيلية ثابتة في المنطقة، وكذلك بحجم الدعم الدولي الذي قد تحصل عليه إسرائيل من شركائها الإقليميين والغربيين. كما يشيرون إلى أن أي عمليات عسكرية خارج البحر الأحمر قد تستدعي ردود فعل دولية أوسع، نظراً لحساسية المنطقة وأهميتها بالنسبة لحركة التجارة العالمية.
وعلى المستوى العسكري، تشير التقديرات إلى أن “أنصار الله” قد تواصل الاعتماد على مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة، وهي أدوات استخدمتها خلال الأشهر الماضية لاستهداف سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، بينما يرجح أن تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل تعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، وتنفيذ عمليات استباقية ضد منصات الإطلاق داخل اليمن إذا تصاعدت الهجمات.
ويرى محللون أن الصراع لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل أصبح يمتد إلى البعد الاقتصادي، حيث يؤدي أي تهديد لحركة الملاحة في باب المندب إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، وإجبار بعض السفن على تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما ينعكس على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
وبشأن السيناريوهات المحتملة، فإن أكثرها ترجيحاً يتمثل في استمرار حرب الاستنزاف منخفضة الحدة، عبر هجمات متقطعة وردود محدودة دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. أما السيناريو الثاني فيتمثل في تصعيد أكبر إذا ثبت وجود عسكري إسرائيلي دائم في القرن الإفريقي، وهو ما قد يدفع الجماعة إلى توسيع بنك أهدافها. بينما يبقى السيناريو الثالث، وهو اندلاع حرب إقليمية واسعة تضم أطرافاً عدة، الأقل احتمالاً في الوقت الراهن، نظراً للكلفة العسكرية والاقتصادية الباهظة التي ستتحملها جميع الأطراف.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض المعلومات التي جرى تداولها أخيراً تحتاج إلى تدقيق، إذ لا يوجد اعتراف دولي واسع باستقلال “أرض الصومال”، كما أن الادعاء بأن إسرائيل أصبحت أول دولة تعترف بالإقليم كدولة مستقلة، أو أن وزير خارجيتها أجرى زيارة رسمية بعد هذا الاعتراف، لم تؤكده مصادر رسمية إسرائيلية أو دولية موثوقة حتى الآن. لذلك فإن تقييم مستقبل المواجهة ينبغي أن يستند إلى الوقائع المعلنة، لا إلى التسريبات أو المعلومات غير المثبتة.
وفي المجمل، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، حيث يمثل البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي ساحات رئيسية في معادلة الردع الجديدة، بينما سيظل مسار التصعيد أو التهدئة مرهوناً بمدى التزام الأطراف بضبط المواجهة، وبنجاح الجهود الدولية في منع تحول هذه الجبهة إلى صراع إقليمي مفتوح.


