لم تكن الانتخابات العامة وانتخابات مجلس الرئاسة في البوسنة والهرسك مجرد استحقاق انتخابي دوري، بل جاءت في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لمستقبل الدولة التي ما زالت تعيش تحت تأثير الترتيبات السياسية التي أقرها اتفاق دايتون عام 1995.
فالنتائج الأولية أظهرت استمرار قوة الأحزاب ذات القاعدة القومية، مقابل تراجع نسبي للقوى التي تطرح خطابًا عابرًا للانقسامات الإثنية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذب السياسي حول شكل الدولة ومستقبلها الأوروبي.
أبرز مفاجآت الانتخابات كانت في المعسكر البوشناقي؛ إذ تمكن دينيس بيتشيروفيتش، مرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من الاحتفاظ بالمقعد البوشناقي في مجلس الرئاسة متقدمًا على باكر بيجوفيتش، زعيم حزب العمل الديمقراطي، الذي حل ثانيًا بفارق واضح. ووفق النتائج الأولية المنشورة، حصل بيتشيروفيتش على أكثر من 210 آلاف صوت مقابل نحو 188 ألفًا لبيجوفيتش
تفوق حزب العمل
لكن خسارة بيجوفيتش للمقعد الرئاسي لا تعني بالضرورة تراجع حزب العمل الديمقراطي؛ فالمفارقة أن الحزب حقق تقدمًا كبيرًا في الانتخابات البرلمانية، وتصدر النتائج داخل اتحاد البوسنة والهرسك، وهو ما يعكس انفصالًا بين شعبية الحزب كتنظيم سياسي وبين قدرة زعيمه على حسم السباق الرئاسي.
وتشير النتائج الأولية إلى حصول الحزب على نحو 30.6% في انتخابات مجلس النواب في الاتحاد، متقدمًا على الحزب الديمقراطي الاجتماعي.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الانتخابات: الناخب البوشناقي لم يمنح بالضرورة تفويضًا مطلقًا لقيادة سياسية واحدة، وإنما وزع أصواته بين الحزب الذي يراه قادرًا على تمثيل مصالحه في البرلمان والمرشح الذي يراه أكثر ملاءمة لمجلس الرئاسة. كما أن تراجع نسبة المشاركة إلى نحو 42%، مقارنة بنحو 51.5% في انتخابات 2022، يكشف حجم الإحباط من حالة الجمود السياسي والاقتصادي واستمرار الانقسامات.
وفي الجانب الصربي، حملت الانتخابات رسالة مختلفة؛ فقد حافظ حزب التحالف الاشتراكي الديمقراطي المستقل،على موقعه القوي في جمهورية صربسكا، وتقدمت جيلكا تسفيانوفيتش في سباق المقعد الصربي بمجلس الرئاسة،
كما فاز سافو مينيتش بانتخابات رئاسة الكيان الصربي وفق النتائج الأولية. والأهم أن نفوذ ميلوراد دوديك السياسي ظل حاضرًا بقوة رغم منعه من تولي المناصب العامة، وهو ما يعكس استمرار ثقل التيار السياسي المرتبط به داخل جمهورية صربسكا
بروز التيار القومي
أما على المستوى الكرواتي، فقد تقدمت مرشحة الاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك، داريانا فيليبوفيتش، في سباق المقعد الكرواتي. وبذلك أعادت الانتخابات تشكيل مجلس الرئاسة حول ثلاثة ممثلين يعكسون بدرجات مختلفة التوازنات القومية الثلاثة، وهو ما يجعل قدرة المجلس على اتخاذ مواقف موحدة مرتبطة بدرجة كبيرة بالتوافق بين أعضائه.
والسؤال الأكبر الآن يتعلق بوحدة البوسنة والهرسك خصوصا أن النتائج لا تعني تلقائيًا اقتراب تفكك الدولة، لكنها لا تلغي أيضًا المخاطر الناتجة عن استمرار الخطاب الانفصالي داخل جمهورية صربسكا.
فبقاء القوى القومية قوية يعني استمرار التفاوض على حدود صلاحيات الحكومة المركزية والكيانات، بينما يظل خطاب دوديك الداعي إلى توسيع استقلال جمهورية صربسكا عامل ضغط على مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، فإن حصول القوى البوشناقية والكرواتية على تمثيل قوي داخل مؤسسات الدولة يبقي خيار الحفاظ على البوسنة كدولة واحدة قائمًا
بين الاتحاد الأوروبي والناتو
أما الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فلا تمنحه نتائج الانتخابات بصورة تلقائية. البوسنة حصلت على صفة الدولة المرشحة في 2022، ووافقت مؤسسات الاتحاد في 2024 على فتح مفاوضات الانضمام،
لكن المفاوضات الفعلية لم تتقدم بالشكل المطلوب بسبب عدم تنفيذ إصلاحات أساسية في القضاء ومكافحة الفساد وبناء مؤسسات أكثر فاعلية. لذلك سيكون الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة هو قدرتها على تجاوز التعطيل الإثني وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

وبالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي، فإن النتائج لا تمثل قرارًا بالانضمام؛ فمسار الناتو منفصل عن مسار الاتحاد الأوروبي، ويتطلب توافقات سياسية ومؤسسية وأمنية خاصة. وبالتالي فإن استمرار الانقسام بين سراييفو وبانيا لوكا يمكن أن يجعل هذا المسار أكثر تعقيدًا
مستقبل البوسنة
في النهاية، تكشف انتخابات 2026 أن معركة البوسنة لم تعد فقط بين أحزاب، وإنما بين تصورين لمستقبل الدولة: تصور يحافظ على الصيغة التي أبقاها اتفاق دايتون، وتصور يسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة المركزية ودفعها نحو أوروبا. وبينما أظهرت النتائج استمرار قوة القوميات، فإنها لم تمنح أي طرف تفويضًا منفردًا لإعادة صياغة مستقبل البلاد.
ولذلك ستكون المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة القوى المنتخبة على تحويل نتائج صناديق الاقتراع إلى تفاهمات سياسية تمنع استمرار الجمود، وتحافظ على وحدة الدولة، وتعيد تحريك مسارها نحو الاتحاد الأوروبي.


