من طريق صحراوي طويل يمتد غرب الإسكندرية، إلى واحدة من أكثر المناطق العقارية والسياحية جذبًا للاستثمارات في مصر، يتحرك الساحل الشمالي نحو تغيير أكبر من مجرد كونه وجهة صيفية للمصريين.
قبل عقود، كان المسافر من الإسكندرية باتجاه الغرب يعبر مناطق صحراوية هادئة، تحيط بها مياه المتوسط الفيروزية، وتتوزع فيها بيوت حجرية بدوية ونصب تذكارية لجنود بريطانيين وإيطاليين وألمان لقوا حتفهم خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يصل إلى مرسى مطروح التي تبعد نحو 260 كيلومترًا.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة جذرية. وتحول الساحل إلى مقصد صيفي فاخر، تنتشر على امتداده المنتجعات والقرى السياحية والكمبوندات مرتفعة الأسعار، حتى اكتسب الجزء الغربي منه لقب «الساحل الشرير».
لكن التحول الجاري الآن يتجاوز السياحة المحلية الموسمية، مع دخول استثمارات خليجية ضخمة تستهدف تحويل الساحل الشمالي إلى وجهة دولية تستقبل السياح والمشترين الأجانب على مدار العام.
وتضخ صناديق سيادية من أبوظبي وقطر، إلى جانب شركة «إعمار» العقارية الإماراتية، مليارات الدولارات في مشروعات ضخمة تشمل الفنادق والمراسي ومراكز التسوق والمدارس والمنشآت الصحية والمناطق السكنية.
وتواكب هذه الاستثمارات خطة حكومية مصرية واسعة لتطوير البنية التحتية، تشمل الطرق والمطارات ومدينة العلمين الجديدة، التي يجري تقديمها باعتبارها مدينة قابلة للحياة والإقامة طوال العام، وليس مجرد مقصد صيفي.
وقال عمر الشنيطي، المصرفي الاستثماري المصري والشريك الإداري في شركة «زيلا كابيتال»، إن دخول المطورين الخليجيين يمكن أن يمثل «نقطة تحول جوهرية»، موضحًا أن العلامات العقارية الخليجية تتمتع بثقة واسعة لدى مواطني دول الخليج، وهو ما قد يحولهم إلى شريحة رئيسية من المشترين في الساحل الشمالي.
ويأتي هذا التحول في وقت ينظر فيه اقتصاديون إلى الاستثمارات الخليجية الكبرى باعتبارها أحد مصادر الدعم للاقتصاد المصري، في ظل احتياجات البلاد التمويلية وضغوط الديون، كما ساعدت التدفقات الاستثمارية في تعزيز قدرة القاهرة على التعامل مع برامج التمويل الدولية.
وكانت أبوظبي قد أعلنت في 2024 استثمار 35 مليار دولار للحصول على حقوق تطوير منطقة رأس الحكمة، التي تمتد على نحو 40 ألفًا و600 فدان، في واحدة من أكبر صفقات الاستثمار الأجنبي في تاريخ مصر.
وتتولى «مدن القابضة» تطوير المشروع، الذي يتضمن مرافق سياحية ومرسى لليخوت ومطارًا ومناطق استثمارية وحرة، إلى جانب نحو 310 آلاف وحدة سكنية، مع مستهدف سكاني يصل في مراحل التطوير النهائية إلى نحو مليوني نسمة.
وفي 2025، دخلت «الديار القطرية»، المملوكة لجهاز قطر للاستثمار، على خط مشروعات الساحل الشمالي من خلال مشروع تبلغ قيمته نحو 30 مليار دولار لتطوير منطقة علم الروم وتحويلها إلى وجهة فاخرة تعمل على مدار العام.
أما «مجموعة طلعت مصطفى»، أكبر شركات التطوير العقاري في مصر، فتشارك الدولة في مشروع «ساوث ميد»، الذي تبلغ تكلفته نحو 21 مليار دولار، وأطلق في 2024 بحملة ترويجية دولية تصدرها الممثل الأميركي سيلفستر ستالون، مع تقديم المشروع باعتباره وجهة عالمية جديدة على ساحل البحر المتوسط.
وتجري حاليًا عمليات البناء والبيع على الخارطة في المراحل الأولى من المشروعات الثلاثة، إلا أن ضخامة الاستثمارات وحجم التطوير المستهدف يفرضان تحديات اقتصادية وجيوسياسية، في ظل تقلبات المنطقة وتغيرات الطلب السياحي والعقاري.
وقال الشنيطي إن الاستثمارات ستظل معرضة بدرجات متفاوتة للمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
من جانبه، وصف معتز صدقي، المدير العام لشركة «ترافكو هوليدايز»، الساحل الشمالي بأنه «وجهة في مرحلة انتقالية»، وليس بعد سوقًا مكتملة وناضجة للمنتجعات الدولية.
ويختلف الساحل الشمالي عن وجهات مصرية مثل شرم الشيخ والأقصر، التي نجحت منذ سنوات في جذب أعداد كبيرة من السياح الأجانب. فقد ظل الساحل المتوسطي لفترة طويلة يعتمد بصورة شبه كاملة على المصطافين المصريين.
لكن صدقي يرى أن المعادلة بدأت تتغير مع ظهور سوقين جديدتين: الزوار القادمون من دول الخليج، والسياح الدوليون الباحثون عن الترفيه، خصوصًا الأوروبيين.
وتتمثل المشكلة الرئيسية في أن النشاط السياحي على الساحل ما زال مرتبطًا بصورة كبيرة بموسم الصيف.
فمع بداية يونيو، تفتح المطاعم والمتاجر الراقية أبوابها أمام المصطافين، وتنتعش مبيعات كل شيء تقريبًا، من الأثاث الخارجي إلى عربات الغولف المستخدمة داخل المنتجعات. لكن هذا النشاط يتراجع بشدة بحلول منتصف سبتمبر، مع انتهاء موسم الإجازات وعودة معظم الزوار إلى المدن.
وتقدم «مراسي»، المنتجع الساحلي الفاخر الذي طورته «إعمار»، نموذجًا لما يمكن أن يصبح عليه الساحل إذا نجحت خطط تحويله إلى مقصد دولي.
ويمتد المنتجع على واجهة بحرية بطول 6.5 كيلومتر، ويضم نحو 8 آلاف وحدة سكنية و12 فندقًا فاخرًا، فيما يمكن أن تتجاوز تكلفة الإقامة في بعض الفترات الصيفية 1000 دولار لليلة الواحدة.
وعلى امتداد مرسى اليخوت، تنتشر المطاعم والمتاجر الراقية، بينما تتحول المنطقة خلال ليالي الصيف إلى مساحة مزدحمة بالزوار، وبينهم أعداد متزايدة من مواطني دول الخليج.
وقال محمد العبار، مؤسس «إعمار» والعضو المنتدب فيها، إن نسبة غير المصريين من نزلاء فنادق «مراسي» وصلت في أواخر أغسطس إلى 65%، وكان معظمهم من دول الخليج.
وأضاف أن هذا النوع من الإقبال كان هدفًا للمشروع منذ سنوات، نظرًا إلى أن الزائر الخليجي غالبًا ما يتمتع بقدرة إنفاق مرتفعة ويميل إلى الإقامة لفترات أطول.
لكن سوق التملك الخليجي لا تزال في بدايتها؛ إذ لم تتجاوز نسبة الوحدات التي اشتراها مواطنون خليجيون في «مراسي» نحو 10% إلى 15%.
ويرى العبار أن الساحل الشمالي لم يكشف بعد عن كامل إمكاناته، مشيرًا إلى أن كثيرًا من مواطني الخليج أنفسهم لم يكتشفوا جمال المنطقة وطقسها إلا خلال السنوات العشر الأخيرة.
وتعكس سوق العقارات بدورها حجم التحول الجاري. فقد أشار أحمد زكي، العضو المنتدب لشركة «ذا بورد كونسلتينج»، إلى أن مبيعات العقارات في الساحل الشمالي تجاوزت 10.4 مليار دولار خلال 2025، ليصبح ثاني أكبر سوق للاستثمار العقاري في مصر بعد شرق القاهرة.
لكن تحويل هذه الأرقام إلى نشاط سياحي مستدام يتطلب أكثر من بناء المنتجعات والوحدات السكنية.
ويرى صدقي أن الساحل يحتاج إلى زيادة الطاقة الفندقية، وتوفير رحلات طيران منتظمة طوال العام، إلى جانب المطاعم ومراكز المؤتمرات والمنشآت الرياضية.
وقال إن الطاقة الفندقية تمثل أحد أبرز العوائق أمام استمرار نمو الطلب الدولي، مشيرًا إلى أن أشهر الشتاء يمكن أن تفتح المجال أمام أنماط مختلفة من السياحة، تشمل الرياضة والمؤتمرات والسياحة الثقافية.
ولا يعني تحويل الساحل إلى وجهة تعمل طوال العام تقديم المنتج السياحي نفسه في يناير ويوليو، بل تطوير أنشطة مختلفة تتناسب مع طبيعة كل موسم.
ويمنح الموقع الجغرافي الساحل الشمالي ميزة إضافية في هذا السياق، إذ لا يفصل زواره عن أهم المعالم المصرية سوى مسافات يمكن قطعها برًا.
وأشار العبار إلى إمكانية الجمع بين الإقامة الساحلية وزيارة القاهرة، قائلًا إن السائح يستطيع قضاء ثلاثة أو أربعة أيام على الساحل، ثم التوجه إلى الأهرامات والعودة مرة أخرى.
وبذلك، يراهن المطورون على أن يتحول الساحل الشمالي من شريط صيفي فاخر يعتمد على المصطاف المصري إلى منظومة سياحية وعقارية متكاملة، تجمع بين الإقامة والترفيه والتسوق والمؤتمرات والرياضة، وتستقطب رأس المال والمشترين والسياح من خارج مصر.
والاختبار الحقيقي لن يكون في حجم المشروعات المعلنة أو قيمة الاستثمارات وحدها، وإنما في قدرة المنطقة على الحفاظ على الزخم بعد انقضاء الصيف، وتحويل الساحل من وجهة موسمية إلى اقتصاد يعمل طوال العام.


