يشهد العالم تصاعداً غير مسبوق في حدة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي. فبعد عقود من تبادل تجاري مثمر، دخل الطرفان منذ 2018 في حرب تجارية مفتوحة تبادلا خلالها الرسوم الجمركية والعقوبات التكنولوجية.
ولم يبقَ الصراع بحسب تقرير لمركز أمد للدراسات السياسية محصوراً في العلاقات الثنائية، بل تمدد إلى ساحات دولية ضمن استراتيجية أوسع لاحتواء نفوذ الصين.
في هذا السياق، كثّفت واشنطن ضغوطها على دول ترتبط ببكين بعلاقات وثيقة، مثل فنزويلا وإيران، لتجفيف مصادر الطاقة والتمويل عنها أو عن حلفائها.

في المقابل، تسعى بكين إلى حصر المنافسة في الميدان الاقتصادي حيث تتمتع بميزة نسبية، بينما تفضّل واشنطن دفعها نحو ساحات الردع العسكري حيث تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق نوعي. يستعرض هذا المقال عبر ثلاثة محاور: الحرب التجارية-التكنولوجية، وفنزويلا كساحة احتواء، ثم إعادة تفعيل العقوبات الأممية على إيران وصلتها بالتحوط ضد الصين.
وقد تجاوزت المواجهة الرسوم إلى التكنولوجيا المتقدمة: قيود أمريكية على تصدير الرقائق والأدوات المتقدمة، وحدود على استثمارات أمريكية في شركات صينية حساسة بذريعة الأمن القومي؛ مقابل إجراءات صينية مضادة شملت تقييد صادرات معادن حيوية لصناعة الشرائح.
ورغم ذلك، واصلت الصين توسيع حضورها الصناعي عالمياً فيما يشبه “صدمة الصين” الجديدة في السيارات الكهربائية والألواح الشمسية. وتبين الدراسات أن المستهلكين والشركات الأمريكيين تحملوا قسطاً كبيراً من كلفة الرسوم، وأن سلاسل التوريد لم تُعَد هيكلتها جذرياً بقدر ما أُعيد توجيهها عبر دول وسيطة مثل فيتنام والمكسيك.
على الصعيد العالمي، مدّت الصين نفوذها الاقتصادي خلال العقد الأخير: ازداد تعاون أكثر من مئة دولة معها على حساب الولايات المتحدة، وأصبحت الشريك التجاري الأكبر لعدد واسع من الاقتصادات الصاعدة، مدعومة بمبادرة الحزام والطريق وتمويلات بنيوية ضخمة.
في المقابل، ركزت واشنطن على ترسيخ تحالفات أمنية وميزان قوى عسكري، فيما حافظت على تفوق مالي عبر هيمنة الدولار ونظام العقوبات. هكذا تتباين الاستراتيجيتان: بكين تكدّس النفوذ عبر الاستثمار والتجارة، وواشنطن تصون الزعامة بأدوات الأمن والمال معاً.

وفي هذا السياق ترى واشنطن في إيران حلقة مهمة ضمن استراتيجية الحد من صعود الصين، بالنظر إلى تشابك المصالح بين طهران وبكين، بما فيها اتفاقية الشراكة الشاملة (2021) وتدفقات النفط المخفّض السعر إلى السوق الصينية. وعليه، فإن تضييق الخناق على صادرات إيران يفكك جزئياً شريان تمويلي يغذي توازنات الصين الطاقية.
في 28 أغسطس 2025 فعّلت بريطانيا وفرنسا وألمانيا آلية الزناد ضمن قرار مجلس الأمن 2231، ما أعاد سريان حزم عقوبات أممية (حظر سلاح، قيود صاروخية ونووية) اعتباراً من أواخر سبتمبر.
رحبت واشنطن ورفضت موسكو وبكين، فبرز انقسام قانوني-سياسي واضح. ورغم أن العقوبات الأممية لا تستهدف الطاقة صراحةً، فإن الولايات المتحدة قد تسعى إلى استثمارها لتشديد الرقابة البحرية على شحنات مرتبطة بإيران تحت ذرائع عدم الانتشار، بما قد يطال ناقلات تابعة لكيانات مصنّفة. يظل نجاح هذا المسار مرهوناً باستجابة دول العبور والموانئ الآسيوية، وبمدى تخصيص موارد بحرية كافية لعمليات الاعتراض.
ورغم القيود، استعادت إيران جزءاً كبيراً من صادراتها عبر شبكات التفاف ومشترين آسيويين—خصوصاً الصين—حيث قدّرت جهات تتبع الشحن صادرات بنحو 1.6 مليون برميل يومياً في 2025، وهو أدنى من مستوى ما قبل 2018، لكنه أعلى بثلاثة أضعاف من ذروة “الضغط الأقصى” في 2020–2021. عملياً، قد تمنح العقوبات المعاد تفعيلها الصين فرص خصومات إضافية، حتى وهي تهدف إلى إضعاف هذا الشريان ذاته.
الصراع بين بكين وواشنطن وثنائية الرسوم والعقوبات
يتجاوز الصراع الأمريكي-الصيني وفق مركز أمد ثنائية الرسوم والعقوبات إلى معركة على شكل النظام الدولي لعقود مقبلة. توظف واشنطن حزمة أدوات من التجارة إلى التكنولوجيا والعقوبات العابرة للحدود، وتضغط على حلفاء بكين الطاقيين لتقليص هوامش مناورتها.
في المقابل، توسّع بكين نفوذها عبر الاستثمار والتجارة وربط الاقتصادات الناشئة بسلاسلها، مع تجنّب الانجرار إلى سباق تسلح مباشر تستنزف فيه أمام التفوق النوعي الأمريكي—مع إبقاء رسالة ردع عسكري متنامية تحسباً لسيناريوهات أسخن.
والنهاية يقف العالم أمام مفترق بين صراع صفري يستدعي أشباح الحرب الباردة وربما مواجهة ساخنة، وبين تعايش تنافسي يضبطه إطار قواعدي يحدّ من الكلفة على الاقتصاد العالمي. لم يُحسم الخيار بعد، لكن مسار الشهور والسنوات المقبلة—اقتصادياً وطاقوياً وبحرياً—سيحدد ما إذا كانت المنافسة ستبقى “باردة” في جوهرها أم تتجه إلى سخونة استراتيجية أوسع


