وسط احتدام الانقسام السياسي وتبادل الاتهامات بين أطراف المشهد الليبي، عاد ملف «الحكومة الموحدة» إلى صدارة الجدل، بوصفه أحد أكثر الرهانات تعقيداً، بين من يراه شرطاً لا غنى عنه للاستقرار وإجراء الانتخابات، ومن يعتبره خياراً مستحيلاً في واقع سياسي يزداد تشظياً.
وتجدد الجدل أخيراً عقب تصريحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، التي أكد فيها أن تشكيل حكومة موحدة «أصبح مستحيلاً»، في تراجع لافت عن مواقف سابقة، وذلك في ظل صراع متصاعد بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، خصوصاً حول مفوضية الانتخابات وقانون إنشاء القضاء الدستوري.
وفي مقابل هذا الطرح المتشائم، لا تزال قوى سياسية ومدنية تتمسك بفكرة الحكومة الموحدة، باعتبارها الضمانة الأساسية لنزاهة أي استحقاق انتخابي مقبل، ما يعكس حالة من التيه السياسي بين مسارات متعارضة في بلد يعاني انقساماً مؤسسياً منذ سنوات.
ويرى رئيس حزب «الجبهة الوطنية» عبد الله الرفادي أن الحكومة الموحدة «تائهة بين مسارين»، أولهما داخلي تقوده مراكز قوى في الشرق والغرب، تسعى للحفاظ على مصالحها حتى على حساب وحدة الدولة،
بينما يتمثل المسار الثاني في بعد إقليمي ودولي، لا يخفي – بحسب تعبيره – مصلحة في إبقاء الوضع الليبي على حاله ضمن ترتيبات إقليمية أشمل، وهو ما جعل الملف الليبي بالغ التعقيد والتشابك.
وازداد الجدل حدة بعد طرح عقيلة صالح بديلاً يقوم على تشكيل لجنة تشرف على الانتخابات دون تغيير الحكومة القائمة، مستنداً إلى ما وصفه بجاهزية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لإجرائها بحلول أبريل المقبل، وقناعته بأن أطراف السلطة الحالية لا ترغب في مغادرة المشهد.
ويصف أستاذ العلوم السياسية بجامعة درنة يوسف الفارسي هذا الطرح بأنه «حل عملي وسريع» في ظل الانقسام القائم، لكنه يقر بأن الصراع بين مجلسي النواب والدولة يعقّد المشهد ويضع أي مبادرة أمام اختبار حقيقي للقدرة على التنفيذ.
في المقابل، يرى معارضو هذا التوجه أن إجراء الانتخابات دون حكومة موحدة يقوض نزاهتها، ويستندون إلى مواقف سبع شخصيات سياسية سبق أن ترشحت لرئاسة الحكومة في مايو الماضي، طالبت بتشكيل حكومة واحدة تقود البلاد إلى الانتخابات، في دلالة على اتساع الفجوة مع موقف البرلمان.
كما اعتبر «حراك ليبيا الوطن» أن التراجع عن تشكيل حكومة جديدة يمثل «إدارة للأزمة لا حلاً لها»، منتقداً ما وصفه بالمقاربات الانتقائية والمتغيرة للمسار الانتخابي،
فيما حذر أنصار العودة إلى دستور الحقبة الملكية من أن غياب حكومة موحدة يشكل العائق الأول أمام الانتخابات، في ظل سيطرة الأمر الواقع على مراكز الاقتراع في الشرق والغرب.
وفي غرب البلاد، لا تبدو الصورة أكثر وضوحاً، خاصة بعد إعلان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عزمه إجراء تعديل وزاري منتصف ديسمبر الماضي، دون الكشف عن ملامحه أو توقيته، وهو ما زاد من حالة الغموض، لا سيما عقب تعرضه لوعكة صحية خضع على إثرها لتدخل جراحي بسيط.
ويعزز استمرار الانقسام الحكومي المخاوف من تداعيات خارجية محتملة، في ظل ما تصفه شخصيات سياسية بزيادة شهية التدخل الدولي في ليبيا.
وفي هذا السياق، ترى عضوة المؤتمر الوطني العام السابقة نادية الراشد أن الحكومة الموحدة باتت «الخيار الوحيد» لحماية المصالح الوطنية، محذرة من أن الانقسام يفتح الباب أمام ضغوط وتدخلات خارجية، في ظل الأهمية النفطية الاستراتيجية للبلاد.
وتندرج قضية الحكومة الموحدة ضمن خريطة الطريق التي طرحتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، باعتبارها المرحلة الثالثة بعد استكمال الأطر القانونية للانتخابات وملء المناصب الشاغرة،
إلا أن مراقبين يرون أن تركيز البعثة الأممية بات ينصب حالياً على منع الانهيار المؤسسي وتسريع الخطوات الأولية نحو الانتخابات، في ظل الخلاف الحاد بين المجلسين.
ويذهب الفارسي إلى أن الحكومة الموحدة «لا تبدو خياراً مفضلاً حالياً لدى البعثة الأممية»، مشدداً على أن أي سلطة تنفيذية لا تحظى بدعم دولي لن تتمكن من أداء مهامها بفاعلية.
وبحسب الرفادي، فإن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن فقط في الخلافات السياسية، بل في «سيطرة السلاح على مفاصل الدولة»، وتحول الولاءات من المشروع الوطني إلى مصالح ضيقة مرتبطة بالمال والنفوذ، محذراً من استمرار تهميش الكفاءات والأحزاب السياسية.
وبينما تتعدد الطروحات بين حلول دستورية وأخرى توافقية برعاية أممية، تبقى «الحكومة الموحدة» فكرة عالقة بين ضرورتها لتحقيق الاستقرار، واستحالة التوافق حولها، في مشهد ليبي لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات.


