تكشف عمليات أمنية حديثة في ليبيا عن تحول في أساليب تنظيم «داعش»، الذي تراجع عن نموذج السيطرة على المدن والأراضي، واتجه إلى العمل عبر خلايا صغيرة وشبكات تجنيد ودعم لوجستي ومسارات تهريب عابرة للحدود، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية للبلاد وموقعها بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
وأظهر التقرير الـ38 لفريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات التابع لمجلس الأمن أن أجهزة الاستخبارات الليبية اعتقلت أكثر من 15 مشتبهًا بارتباطهم بـ«داعش»، بينهم متورطون في توفير الأسلحة والدعم اللوجستي، كما فككت شبكات للتجنيد، بينها خلية جندت فتيات لتنفيذ هجمات على مؤسسات تعليمية. وكشف التقرير كذلك ضبط نساء وأطفال جرى تهريبهم من سوريا باستخدام جوازات سفر مزورة.
ويقدر التقرير عدد مقاتلي «داعش» في ليبيا بنحو 100 عنصر ينشطون في خلايا صغيرة، خصوصًا في منطقة فزان جنوب البلاد، إلى جانب مئات المتعاطفين، مع اعتماد متزايد على الدعاية والتجنيد عبر الإنترنت.
ويرى المستشار في مجلس الأمن القومي الليبي فيصل رزق بوالرايقة أن التنظيم، بعد خسارته السيطرة على مدن مثل سرت، أصبح يركز على الحركة والاختباء والتمويل والتهريب، وربط شبكات شمال أفريقيا بمنطقة الساحل. وأكد أن خطورة التنظيم لا تقاس بعدد مقاتليه فقط، إذ يمكنه استغلال شبكات تهريب قائمة لنقل الأشخاص والأموال والأسلحة بين الدول.
وتكشف قضية النساء والأطفال المهربين من سوريا أهمية هذه الشبكات، إذ لا تقتصر المخاطر على الأشخاص الذين يصلون إلى ليبيا، وإنما تمتد إلى سلسلة تضم مزورين ومهربين ووسطاء وممولين وجهات استقبال. ويشير التقرير إلى أن ما بين 15 ألفًا و20 ألف شخص مرتبطين بـ«داعش»، غالبيتهم من النساء والأطفال، ظل مصيرهم غير محسوم بعد إغلاق مخيم الهول في 22 فبراير، فيما قدرت دول أعضاء أن أكثر من ألف منهم ربما التحقوا بالتنظيم أو جماعات مسلحة أخرى.
ولا تكفي المعطيات المتاحة للقول إن ليبيا أصبحت منصة لانطلاق «داعش» نحو أوروبا، إلا أن طرق الهجرة والتهريب عبر المتوسط توفر بنية يمكن للشبكات المتطرفة استغلالها.
ويتزامن ذلك مع استمرار هشاشة الوضع الأمني، إذ قُتل في 10 أغسطس رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في قوات شرق ليبيا فوزي المنصوري بانفجار عبوة ناسفة في بنغازي، دون إعلان جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
كما يشير التقرير إلى استمرار نشاط «القاعدة» في جنوب غربي ليبيا واستفادته من الروابط القبلية وشبكات الدعم اللوجستي المرتبطة بالساحل. وتبرز النيجر بوصفها منطقة عمليات رئيسية لـ«داعش في الصحراء الكبرى»، حيث استحوذت على 75% من الهجمات التي أعلن التنظيم مسؤوليته عنها خلال 2026، مع تقدير عدد عناصره بنحو ألفي مقاتل.
وتفرض هذه التطورات، وفق التقييمات الأمنية، تعزيز التنسيق بين أجهزة الاستخبارات والأمن والجيش وحرس الحدود والجمارك والهجرة والجهات المالية، مع إعطاء الجنوب الليبي أولوية، وملاحقة شبكات تهريب البشر والسلاح والذهب والوقود، إلى جانب تتبع التمويل والتجنيد الإلكتروني.
وتشير المعطيات إلى أن الخطر لم يعد يتمثل في عودة «داعش» للسيطرة على المدن، بل في قدرته على الاختباء داخل شبكة عابرة للحدود تضم مجندين ومهربين ومزورين وممولين، ما يجعل تفكيك هذه الشبكات التحدي الأمني الأبرز أمام ليبيا ودول الجوار.


