دخل الدينار الليبي مرحلة هي الأخطر منذ سنوات، بعدما سجل، اليوم الخميس، أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار الأميركي في السوق الموازية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد، وينذر بموجة جديدة من الغلاء وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز 9.15 دنانير، في وقت لا يزال السعر الرسمي الذي حدده المصرف المركزي عند 6.37 دنانير، وهو فارق واسع يعكس حجم الاختلال بين السوقين الرسمي وغير الرسمي، ويكشف فقدان الثقة في السياسة النقدية واستمرار الضغوط على العملة المحلية.
هذا التدهور الحاد لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد أيام قليلة من قرار المصرف المركزي خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7%، ليصبح سعر الصرف الرسمي نحو 6.3759 دنانير للدولار، في ثاني خفض للعملة خلال أقل من عام. خطوة كان الهدف المعلن منها امتصاص الاختلالات في سوق الصرف، لكنها سرعان ما أثارت موجة قلق واسعة في الشارع الليبي، وسط مخاوف من انعكاسها المباشر على الأسعار ومستوى المعيشة.
ويربط المصرف المركزي هذا القرار بجملة من الضغوط البنيوية التي تضرب الاقتصاد الليبي، وفي مقدمتها الانقسام السياسي المستمر، وغياب ميزانية عامة موحدة للدولة، وتضخم الإنفاق الحكومي، إلى جانب تراجع عائدات النفط نتيجة انخفاض أسعار الخام في الأسواق العالمية، وهو ما حدّ من قدرة الدولة على دعم العملة وتمويل وارداتها من النقد الأجنبي.
وفي بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين الغذاء والدواء والوقود والسلع الاستهلاكية، يتحول سعر الصرف إلى عامل حاسم في تحديد مستوى المعيشة. فكل تراجع في قيمة الدينار يعني ببساطة أن التاجر سيدفع أكثر مقابل الدولار اللازم للاستيراد، وهو ما يُترجم مباشرة إلى ارتفاع في أسعار السلع داخل الأسواق المحلية.
هذا الواقع بات محسوسًا لدى المواطن الليبي الذي يعيش منذ سنوات تحت ضغط الغلاء، حيث يذهب أكثر من نصف دخله لتأمين الغذاء فقط. ومع الانزلاق الأخير للدينار، يخشى كثيرون من أن تدخل البلاد في حلقة تضخمية جديدة، تلتهم ما تبقى من القدرة الشرائية وتوسّع رقعة الفقر والاحتقان الاجتماعي.
خبراء الاقتصاد يرون أن ما يجري ليس أزمة سعر صرف عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات السياسية والمالية. فغياب سياسة مالية موحدة، واستمرار الإنفاق الحكومي دون ضوابط، وازدواجية المؤسسات الاقتصادية بين شرق البلاد وغربها، كلها عوامل غذّت المضاربة على العملة وفتحت المجال أمام السوق الموازية للتحكم في السعر الحقيقي للدينار.
خفض قيمة العملة، بدل أن يحدّ من هذه الضغوط، ساهم في تسريع وتيرة التدهور، إذ عزّز توقعات المواطنين والتجار بمزيد من الانخفاض، ما دفعهم إلى التحوّط عبر شراء الدولار وتخزينه، وهو ما زاد الطلب عليه ورفع سعره أكثر.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح خطر التضخم أكثر واقعية من أي وقت مضى. فمع ارتفاع تكلفة الاستيراد، ترتفع أسعار الغذاء والدواء والمرافق الأساسية، بينما تبقى الدخول ثابتة أو ترتفع بوتيرة أبطأ بكثير، ما يؤدي إلى تآكل فعلي في مستوى المعيشة ويضعف الاستقرار الاجتماعي.
ويرى اقتصاديون أن الخروج من هذا المسار يتطلب إصلاحات عميقة، تبدأ بتوحيد الميزانية العامة للدولة، وضبط الإنفاق الحكومي، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد النفطية، إلى جانب إعادة بناء الثقة في السياسة النقدية. من دون ذلك، سيبقى الدينار تحت ضغط مستمر، وستظل السوق الموازية هي التي تحدد فعليًا قيمة العملة.
في النهاية، لا يعكس انهيار الدينار مجرد أزمة مالية، بل يكشف عن أزمة دولة واقتصاد ونظام حكم. وبينما تتواصل الانقسامات السياسية، يبقى المواطن الليبي هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن كل هزة في سعر الصرف من قوته اليومي ومستقبل أسرته.






