أصدرت محكمة في العاصمة السنغالية داكار أحكاماً بالسجن بحق ثلاثة من صناع المحتوى على منصة تيك توك بعد إدانتهم بنشر مقاطع اعتبرتها النيابة العامة مسيئة إلى الرئيس بسام ديوماي فاي، في قضية أثارت نقاشاً واسعاً حول حدود حرية التعبير واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في السنغال في فصل جديد من الصراع بين فاي وزعيم حزب باستيف رئيس الوزراء السابق المقال عثمان سونكو خصوصا أن الثلاثة محسوبون علي هذا الحزب.
وبحسب الحكم، أدين المتهمون بتهم تتعلق بنشر محتوى يتضمن إهانات وتحريضاً عبر الإنترنت، بينما قال محاموهم إن ما نُشر يندرج في إطار التعبير عن الرأي والنقد السياسي، وأعلنوا عزمهم استئناف الأحكام.
وتأتي القضية في وقت تشهد فيه السنغال توسعاً سريعاً في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ساحة رئيسية للنقاش السياسي، خصوصاً بين الشباب.
حرب علي وسائل التواصل
تمثل هذه القضية تحولاً في طريقة تعامل السلطات السنغالية مع المحتوى الرقمي، إذ كانت البلاد تُعرف لسنوات بأنها من أكثر الديمقراطيات استقراراً في غرب إفريقيا، مع مساحة واسعة نسبياً لحرية الصحافة والنقاش العام.

لكن الانتشار الكبير لمنصات الفيديو القصير خلال الأعوام الأخيرة دفع الحكومات الإفريقية إلى مراجعة تشريعاتها المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، في ظل تزايد القلق من حملات التضليل وخطاب الكراهية والإساءة للمؤسسات.
ويرى قانونيون أن التحدي يتمثل في إيجاد توازن بين حماية المسؤولين من التشهير المتعمد، وعدم تحويل قوانين الجرائم الإلكترونية إلى أداة لتقييد النقد السياسي المشروع.
الشباب والسياسة الرقمية
تشير دراسات الإعلام الرقمي في غرب إفريقيا إلى أن تطبيق تيك توك لم يعد مجرد منصة ترفيه، بل أصبح وسيلة للتأثير السياسي وصناعة الرأي العام، خصوصاً لدى الفئات العمرية الأصغر.
ويقول باحثون إن الأحزاب السياسية والمسؤولين باتوا يتابعون هذه المنصات بصورة يومية، لأن تأثيرها في تشكيل المزاج العام أصبح يفوق أحياناً تأثير وسائل الإعلام التقليدية.
وفي المقابل، يحذر متخصصون في حقوق الإنسان من أن العقوبات الجنائية في قضايا التعبير الرقمي قد تدفع بعض المستخدمين إلى ممارسة رقابة ذاتية، وهو ما قد يحد من النقاش العام المفتوح.
أبعاد إقليمية
لا تقتصر هذه الظاهرة على السنغال، إذ شهدت عدة دول إفريقية خلال العامين الأخيرين محاكمات مشابهة على خلفية منشورات أو مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل محاولات الحكومات تحديث قوانين الفضاء الرقمي.
ويرى مراقبون أن التجربة السنغالية ستكون محل متابعة داخل غرب إفريقيا، لأنها قد تؤثر في طريقة تعامل دول أخرى مع المحتوى السياسي المنشور عبر المنصات الرقمية.
كان محامي الدفاع عن آبي نار ندياي قد دفع بعدم توافر أركان الجريمة، مؤكدًا أن تهمة إهانة رئيس الدولة تستوجب ذكر الرئيس بالاسم، على خلاف جرائم التشهير التي يمكن أن تُوجَّه دون الإشارة المباشرة إلى الشخص المعني. وأوضح أن موكليه لم يقصدوا رئيس الجمهورية، مطالبًا المحكمة بإصدار حكم ببراءتهم.
كما وسّع فريق الدفاع نطاق القضية، معتبرًا أن ملاحقة موكليه تندرج ضمن ما وصفه بـ”الاضطهاد السياسي” الذي يستهدف الشباب المؤيدين لزعيم حزب “باستيف” عثمات سونكو ، وذلك في ظل التوترات السياسية المتصاعدة بين الرئيس باشيرو ديوماي فاي ورئيس الجمعية الوطنية، منذ إقالة سونكو من منصب رئيس الوزراء في مايو الماضي.

وخلال استجوابهم أمام المحققين، أكد المتهمون الثلاثة أنهم لم يقصدوا الإساءة إلى رئيس الدولة، مشيرين إلى أن ما ورد في الفيديو كان جزءًا من نقاش دار بينهم وبين أصدقاء، ولم يكن موجهًا إلى الرئيس.
وتأتي هذه القضية بعد أيام قليلة من صدور حكم بحق أداما ندياي، وهو تاجر من مدينة توبا، بالسجن ستة أشهر، مع وقف تنفيذ شهر واحد من العقوبة، إثر تعليقات أدلى بها ضد رئيس الدولة خلال بث مباشر عبر تطبيق “تيك توك
في هذا السياق هناك سيناريوهين لتطور الأحداث اولهما إذا أيدت محكمة الاستئناف الأحكام، فقد يدفع ذلك البرلمان الذي يعد حزب باستيف الحاكم صاحب الأغلبية فيه إلى مناقشة تحديث التشريعات المتعلقة بحرية التعبير على الإنترنت.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في غمكانية تخفيف أاوإلغائها ، فقد يعزز ذلك الدعوات إلى وضع معايير أكثر دقة للفصل بين النقد السياسي المشروع والإساءة التي تستوجب العقوبة.


